حين يرى الإنسان في منامه صورة الجن ويشعر معها بخوف من المجهول، يستيقظ وفي صدره ثقل وسؤال عن سبب هذا الشعور. والنظرة الهادئة إلى هذا المنام أنه صورة ذهنية رمزية، صنعها الخيال من الخوف الطبيعي مما لا يُعرف ومن حكايات وأفكار متراكمة. فهو ليس إثباتًا لشيء حقيقي، وليس علامة ولا إنذارًا، ولا يخبر عن أمر قادم. وهذا المقال يعرض ما قيل في هذا المعنى بنبرة مطمئنة، مع التأكيد على أن كل ذلك اجتهاد ظني.
الخوف من المجهول شعور إنساني قديم، فالإنسان بطبعه يتوجس مما لا يعرفه ويميل إلى ملء الفراغ بالتخيلات. والجن في لغة الرموز عند بعض المعبّرين يرتبط بما لا يُرى وما لا يُعرف مصدره، فيكون صورة مناسبة لهذا الشعور. فحين يجتمع الخوف من الغامض مع حكاية سمعها المرء أو مشهد رآه، يتشكل في الحلم رمز يجمعها كلها. وليس هذا الرمز حقيقة خارج النفس، بل هو تجسيد لشعور داخلها.
ومما يطمئن القلب عند الخوف مما لا يُعلم أن الله سبحانه محيط بكل شيء علمًا، قال الله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (سورة الملك، الآية 14). وفي هذا ما يذكّر بأن ما يجهله الإنسان ليس مجهولًا عند الله، وأن لطفه يحيط بعباده، وهو ربط عام بالسكينة لا تفسير لحلم. حين يستيقظ الإنسان من منام أقلقه فخير ما يفعله أن يهدأ ويجلس في مكان مضيء إن شاء ويتذكر أن ما رآه لا يغيّر شيئًا في واقعه، ثم يبدأ يومه بعمل بسيط يعيد إليه الإحساس بالأمان والاعتياد. ويكفي أن يستحضر الرائي هذا المعنى ليهدأ قلبه.
ذكر بعض المعبّرين أن الخوف في المنام قد يُقرأ في بعض الوجوه بمعنى الأمان بعد القلق، وأن الرؤيا تتغير دلالتها بحال صاحبها. وذهب بعض المعبّرين إلى أن للأحلام وجوهًا متعددة منها ما يتصل بما في النفس. وقد اختلف المفسرون في هذا الرمز اختلافًا واسعًا، فلا يُعتمد على قول منها. وتُذكر هذه الأقوال للاسترشاد في طريقة النظر، وهي لا تبشر ولا تحذر.
وللخوف من المجهول وجوه كثيرة في الحياة، فهناك الخوف من قرار لم يُتخذ، ومن مرحلة جديدة، ومن مكان لم يُعرف، ومن مستقبل غير واضح. وهذه كلها مشاعر طبيعية يمر بها الجميع، وتزداد حدتها في الليل حين تهدأ الأصوات ويخلو الذهن. وقد يختار الذهن الجن رمزًا لأنه من أكثر الصور حضورًا في الحكايات عما لا يُرى. وهذا يفسر ظهوره عند أشخاص لم يفكروا فيه في يومهم.
وللفضول والخوف علاقة وثيقة، فالمجهول يشد الإنسان ويخيفه في آن واحد، وهذا ما يجعل مثل هذه الأحلام واضحة في الذاكرة. وكثيرًا ما تبدأ الصورة مخيفة في الحلم ثم تفقد حدتها مع الاستيقاظ وتأمل النهار. وهذا مؤشر عام على أن الأمر متعلق بالانفعال أكثر من أي شيء آخر. ومن الحسن أن يتذكر الرائي أن الخوف شعور وليس حقيقة.
وتفاصيل الحلم تفيد في فهم الشعور فقط، فهل كان المشهد في مكان مألوف أم غريب، وهل كان الرائي وحده، وهل ظل الخوف حاضرًا حتى الاستيقاظ أم زال. وكلما ضعف الأثر دلّ ذلك على أن الذهن أفرغ ما فيه. أما إذا تكرر الخوف الشديد وأثّر في النوم والحياة فهو يستحق عناية خاصة. وهذه قراءة رمزية عامة لا تقطع بشيء.
ومن الجانب العملي فإن تسمية الشعور والحديث عنه تخفف حدته، فالخوف الذي يُقال أخف من الخوف الذي يُكتم. ويفيد النوم المنتظم والابتعاد عن المحتوى المرعب والتواصل مع الأهل. وهذا الكلام ليس نصيحة طبية أو نفسية، وإنما إرشاد عام للعناية بالنفس. وإذا اشتد الخوف أو دام أو أثّر في النوم والعمل والحياة اليومية فالأنسب أن يتحدث الرائي مع مختص أو مع أحد أهله المقربين دون تأخير.
ولا ينبغي أن يجعل الرائي الحلم ميزانًا لحياته، فالقرارات تُبنى على التفكير والمشورة والتوكل. وفي ذكر الله وحسن الظن به ما يهب القلب ثباتًا أمام كل غامض. وقد ورد في الكتاب العزيز أن الغيب لا يعلمه إلا الله، فلا حاجة بالمرء أن يثقل نفسه بالبحث فيما لم يُكلَّف به. وعلى قدر ما يطمئن القلب إلى رحمة الله، يهدأ ضجيج الخوف في داخله. ومما يفيد في ذلك أن يتذكر المرء مواقف سابقة خاف فيها من أمر مجهول ثم تبيّن له أنه أيسر مما تصوّر، فهذه الذاكرة تمنح القلب ثقة هادئة. وتبقى الخطوة الصغيرة في اتجاه الأمر المخيف أقوى أثرًا من طول التفكير فيه.
وما سبق كله اجتهاد بشري ظني، لا يبلغ اليقين، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. وعلى الرائي أن يحسن الظن بربه ويدعوه بالأمان والسكينة وراحة البال. ويُرجى لكل من أثقله القلق أن يمنحه الله طمأنينة ترد عليه هدوءه. والله أعلم بحقيقة ما يُرى في المنام.
