الهرب من الجن في المنام صورة تترك في النفس أثرًا ثقيلًا حين يستيقظ صاحبها، لذلك يحسن النظر إليها بهدوء وبعيدًا عن الأوهام. الرؤيا في أصلها صور رمزية يصنعها العقل من الخواطر والمشاعر وما اختزنه خلال اليوم، ولا ينبغي أن تُقرأ على ظاهرها. وهذا المقال يتناول هذه الصورة بوصفها مشهدًا ذهنيًا يعبّر عن الخوف والمجهول، لا خبرًا عن حقيقة قائمة في الواقع. وكل ما يرد فيه تفسير عام محتمل يختلف باختلاف الرائي وحاله وما مرّ به. فليُقرأ بقلب مطمئن وبلا استعجال في الاستنتاج.
الهرب في عالم الرموز حركة تدل على الابتعاد عمّا يثقل النفس، والجري في الحلم كثيرًا ما يرتبط بالرغبة في الخروج من ضغط أو موقف مزعج. أما الجن في المخيلة العامة فيقترن بالمجهول وما لا يُرى، فيصير في الحلم رمزًا ذهنيًا لكل ما يخيف لأنه غير مفهوم. فإذا اجتمع الهرب والمجهول في مشهد واحد فقد يكون المعنى القريب أن النفس تحاول الابتعاد عن أمر غامض يقلقها. وليس في ذلك إشارة إلى وجود شيء خارج النفس، فالعقل قادر على صنع المشهد كله من مادته الداخلية. وتتشابه هذه الصورة مع أحلام الهرب من أي شيء مخيف كالظلام أو الحيوان أو الغرباء.
المنام مساحة للرمز لا للخبر، والرمز يقبل أكثر من قراءة، ولذلك يبقى كل تفسير اجتهادًا ظنيًّا قابلًا للصواب والخطأ، ويكتفي الرائي منه بما يزيده هدوءًا وحسن ظن وإقبالًا على يومه بنفس مطمئنة. يفيد الرائي أن يكتب ما أقلقه في ورقة ثم يضعها جانبًا، فإن تفريغ الأفكار يخفف زحامها في الرأس، وبعد ذلك يمكنه أن يعود إلى نومه أو إلى عمله بصفاء أكبر، دون أن يحمل معه ثقل الصورة التي مرّت. يحسن بالرائي أن يستقبل ما رآه بهدوء، فيتذكر أن كثيرًا من الصور التي تمر في المنام تعبّر عن مشاعر اليوم وأفكاره، وأن النفس تهدأ حين لا تُحمَّل الصورة العابرة أكثر مما تحتمل، ثم يعود إلى يومه مطمئنًا. من الطبيعي أن تختلف مشاعر الناس تجاه الصور التي تمر بهم في المنام، فمنهم من تهدأ نفسه سريعًا ومنهم من يحتاج إلى وقت، وكلا الأمرين مقبول، والمهم أن يعطي الرائي نفسه فرصة للسكون دون تعجل في الوصول إلى معنى.
يذكر بعض المعبّرين أن الأحلام التي يغلب عليها الخوف تُقرأ بحسب حال صاحبها وما يحيط به، ولا تؤخذ على إطلاقها. وذكر بعض المعبّرين أن الهرب من المخوف في المنام قد يُفهم على أنه سعي إلى السلامة أو ابتعاد عن همّ، وهذا مما اختلف فيه المفسرون. وذهب بعض المعبّرين إلى أن الخوف في المنام يُحمل أحيانًا على معنى الطمأنينة بعد زوال سببه، وهو قول لا يُجزم به. وتتفاوت الأقوال في هذه الصور تفاوتًا كبيرًا، ولذلك لا يصلح الاعتماد على قول واحد. والأقرب أن يُنظر إلى حال الرائي قبل النظر إلى الكتب.
وللسياق أثر كبير في فهم هذه الصورة، فقد يأتي الهرب بعد يوم ضاغط أو أسبوع كثرت فيه المهام وقلّ فيه الراحة. وقد يأتي بعد مشاهدة مشهد مخيف أو سماع حديث عن أمور غامضة، فيعيد العقل ترتيب ما سمعه في صورة هرب. وقد يرتبط بقلق من موقف قادم لم يتضح بعد، فيتخذ الخوف شكلًا أقرب إلى المخيلة. وفي كل هذه الأحوال تكون الصورة انعكاسًا لحال الرائي لا خبرًا عن غيره. والتأمل في ما سبق الحلم من ظروف أنفع من التفتيش في تفاصيله.
وتختلف دلالة الصورة بحسب نوع الرائي، فالطالب قد يكون هربه صورة لضغط الاختبارات أو التوقعات الكثيرة. والموظف قد يعبّر الهرب عنده عن رغبة في الاستراحة من عبء متراكم. وربة البيت قد تحمل الصورة عندها تعب الأيام المتتابعة وكثرة المسؤوليات. والمسافر أو المنتقل إلى مكان جديد قد يرى الهرب تعبيرًا عن قلق التأقلم مع ما لم يألفه. وكبير السن قد تكون الصورة عنده امتدادًا لمخاوف قديمة أو لحكايات سمعها في الصغر.
وللتفاصيل أثر في المعنى المحتمل، فالهرب السريع الذي ينتهي بالوصول إلى مكان آمن قد يُقرأ على أنه رغبة في السلامة وإحساس بالقدرة على الخروج من الضيق. والهرب الذي يطول دون نهاية قد يشير إلى تعب نفسي يحتاج إلى راحة وتفريغ. وإن كان الرائي يشعر بثقل في قدميه أثناء الجري فذلك أمر شائع في الأحلام ويرتبط بطبيعة النوم نفسها. وإن استيقظ قبل أن يتضح شيء فالصورة غالبًا مجرد انفعال عابر. وكل ذلك احتمالات قريبة لا تُجزم.
أما الزاوية العملية والنفسية فمفادها أن الخوف في الأحلام يُفهم غالبًا من ضغوط النهار ومن قلة النوم ومن المشاهد والحكايات المخيفة. ويفيد في هذه الحال أن يخفف الرائي ما يشاهده قبل النوم وأن ينظم وقته، وأن يتحدث عما يقلقه مع من يثق به. وليس هذا الحلم نصيحة طبية أو نفسية، فإن تكررت الأحلام المزعجة أو صار الخوف يرافق النهار فمن الحسن عرض الأمر على طبيب أو مختص. وفي الحديث عن الهم راحة، والكتمان الطويل يزيد الثقل. والاعتناء بالنوم والغذاء والحركة من أبسط ما يخفف هذه الأحلام.
ومما يطمئن أن صورة الهرب نفسها تحمل في طياتها معنى الرغبة في السلامة، وهي رغبة فطرية في كل إنسان. فمن أحسّ بالخوف في المنام ثم استيقظ فقد عاد إلى واقعه الآمن، وفي ذلك ما يهدئ النفس. وقد يكون الأنفع أن يترك الرائي الحلم خلفه ويبدأ يومه بنشاط وبعمل يشغله عن إعادة التفكير فيه. وكثرة استحضار الصورة تزيدها رسوخًا في الذهن، أما الانشغال بالمفيد فيضعف أثرها. وحسن الظن بالنفس وبالله من أعظم ما يساعد على هذا الهدوء، وهو أصل في كل طمأنينة.
وختامًا فإن ما سبق اجتهاد بشري ظني لا يدّعي الجزم، والمعنى الحقيقي لأي حلم لا يعلمه على الحقيقة إلا الله تعالى. ويبقى الأصل أن يحسن الإنسان ظنه بربه وأن يدعوه بالسكينة وراحة القلب. والغيب كله لله وحده، وليس في هذا الحلم ما يوجب القلق ولا الخوف. فليمضِ الرائي في يومه مطمئنًا، وليأخذ بأسباب الراحة والعناية بنفسه.
