الأصوات في الأحلام من أكثر عناصرها التباسًا، فقد يسمع النائم صوتًا غامضًا في منامه فيستيقظ وفي أذنه أثر منه. والقراءة الهادئة تقوم على أن العقل في أثناء النوم لا يتوقف عن التقاط الأصوات القريبة وعن استحضار الأصوات المخزنة في الذاكرة، فيخلط بينها ويصوغ منها ما يسمعه في الحلم. وهذه الرؤيا لا تدل على أن أحدًا خاطب الرائي، ولا تحمل خبرًا ولا طلبًا. وكل ما يأتي تأمل رمزي هادئ يُقصد به الطمأنة.
الصوت في لغة الرؤى يرمز غالبًا إلى ما يُنقل إلى الإنسان من أخبار أو أفكار أو خواطر، وقد يرمز إلى صوت داخلي يعبّر عما في النفس. فإذا كان الصوت غامضًا لا يُعرف مصدره، فقد يعبّر المشهد عن فكرة تتردد في الذهن دون وضوح، أو عن حديث سمعه الرائي في يقظته وبقي أثره. وقد يعبّر أيضًا عن حوار داخلي بين مخاوف الرائي وآماله. ولا ينبغي نقل ما يُسمع في الحلم على أنه كلام حقيقي ولا الاعتماد عليه في أمر من الأمور.
وقال الله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُۥٓ﴾ (سورة الزمر، الآية 18). وفي الآية ما يذكّر بقيمة حسن الاستماع وبأن الإنسان مطالب بأن يميز بين ما يسمعه فيأخذ بأطيبه ويترك ما سواه. ولا تُنزَّل الآية على الحلم كأنها تفسيره، فما يُسمع في المنام لا يُبنى عليه. يفيد الرائي أن يكتب ما أقلقه في ورقة ثم يضعها جانبًا، فإن تفريغ الأفكار يخفف زحامها في الرأس، وبعد ذلك يمكنه أن يعود إلى نومه أو إلى عمله بصفاء أكبر، دون أن يحمل معه ثقل الصورة التي مرّت.
وفي كتب التعبير القديمة أقوال متفرقة عن الأصوات المسموعة في المنام، ومما ذكره بعض المعبّرين أن الأصل في ذلك النظر إلى حال الرائي وما يغلب عليه. وذهب بعض المعبّرين إلى مراعاة الأحوال أيضًا. وتختلف الآراء في هذا الباب اختلافًا واسعًا، ولا يمكن الجزم بقول محدد منهم في هذه الصورة. ولذلك فالتأويل هنا اجتهاد ظني لا يُبنى عليه شيء.
ولسياق الحلم أثر. فإن كان الرائي قد نام بقرب صوت جهاز أو تكييف أو ضجيج الشارع، فقد يدخل ذلك في الحلم على هيئة صوت غامض. وإن كان قد سمع حديثًا مخيفًا أو شاهد مقطعًا فيه أصوات مزعجة قبل نومه، فقد يعيده الذهن في المنام. وإن كان يعيش ضغطًا يتردد فيه في رأسه كلام الآخرين، فقد يتجسد في صوت. وكل ذلك يؤكد أن الصوت ثمرة مواد من حياة الرائي وليس مصدرًا خارجيًا.
وتتفاوت الدلالة بين الرائين. فالطالب الذي يكرر المواد في ذهنه قد يسمع في حلمه أصواتًا تتداخل. والمنشغل بنقد الآخرين له قد يعبّر الحلم عن أصداء كلماتهم. وكبير السن الذي يعاني من طنين في أذنه قد يتسرب هذا إلى المنام. والطفل الذي سمع أصواتًا في الليل قد يراها في الحلم. وهذه كلها احتمالات لا يلزم منها شيء، ولا ينبغي نقل ما يُسمع في الحلم.
وفي التفاصيل ما يُتأمل. فإن كان الصوت خافتًا فقد يعبّر عن فكرة غير مكتملة، وإن كان عاليًا فقد يعبّر عن توتر. وإن كان الرائي لا يفهم ما يُقال فهذا يدل على أن الذهن لم يكوّن معنى بعد. وإن تحول الصوت إلى موسيقى أو ضجيج أو صمت فهذا من طبيعة الأحلام التي تتبدل أصواتها. وليس من المفيد أن يحاول الرائي استرجاع كل ما سمعه، فالنسيان هنا نعمة.
ومن الجانب النفسي، تكثر الأحلام التي تحمل أصواتًا مزعجة مع التوتر والإرهاق واضطراب النوم، وقد ترتبط أحيانًا بحالات تتعلق بالنوم يتحدث عنها المختصون. ويفيد أن ينام الإنسان في مكان هادئ، وأن يقلل من الضجيج المحيط، وأن ينظم أوقات نومه. وهذا ليس نصيحة طبية أو نفسية. فإن تكررت هذه الأحلام وصاحبها أرق أو فزع أو سماع أصوات عند الاستيقاظ، فمن المهم أن يعرض الأمر على طبيب أو مختص، وأن يخبر أحد أهله.
ومما يطمئن أن المخ يُنتج الأصوات في الحلم كما يُنتج الصور، وأن ما يُسمع في المنام لا يصير حقيقة بمجرد سماعه. وإذا بقي الأثر في النفس فليقرأ الرائي شيئًا هادئًا أو يسمع كلامًا طيبًا أو يتحدث مع أهله، فيحل صوت الحياة اليومية محل أثر الحلم. ويحسن ألا يقص الرائي حلمه المزعج على كل من يلقاه، لئلا يتكرر في ذهنه ويتضخم. وبهذا يخف أثره سريعًا.
وفي الختام، فكل ما كُتب هنا اجتهاد بشري ظني لا يبلغ اليقين، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. وحسن الظن بالله يملأ القلب سكينة، والدعاء بالطمأنينة وصفاء السمع والقلب خير ما يُقال. وليمض الرائي إلى يومه مطمئنًا. والله أعلم.
