المكان المهجور من المشاهد التي يستدعيها الخيال بسهولة، لما ارتبط في الذاكرة الجماعية من حكايات عن الخراب والوحشة. فإذا رأى النائم في منامه صورة غامضة في مثل هذا المكان، فالأقرب أن الذهن جمع بين صورتين مخيفتين معروفتين عنده فخرج منهما مشهد واحد. وهذه القراءة رمزية هادئة، لا تخبر بوجود شيء حقيقي في مكان ما، ولا تعد بشيء ولا تحذر من شيء. وإنما هي محاولة لفهم ما قد تعنيه هذه الصور في لغة النفس.
المكان المهجور في الرؤى قد يرمز إلى جانب من حياة الرائي أُهمل أو نُسي، كعلاقة فترت، أو هواية تُركت، أو مشروع توقف، أو شعور لم يجد من ينصت إليه. ويرمز كذلك إلى الوحدة والفراغ والحنين إلى ما مضى. وحين يظهر معه الغموض في صورة الجن فقد يعبّر ذلك عن خوف من مواجهة ما أُجّل أو ما تُرك دون حسم. ولا يعني هذا أن في حياة الرائي خللًا، فكثيرون يمرون بمثل هذه المشاعر، وهي جزء من حركة الأيام.
وقال الله تعالى: ﴿فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ﴾ (سورة البقرة، الآية 152). وفي هذه الآية ما يذكّر بأن القلب لا يبقى مهجورًا مهما اشتدت الوحدة، فالصلة بالله تؤنس من لا أنيس له. المنام مساحة للرمز لا للخبر، والرمز يقبل أكثر من قراءة، ولذلك يبقى كل تفسير اجتهادًا ظنيًّا قابلًا للصواب والخطأ، ويكتفي الرائي منه بما يزيده هدوءًا وحسن ظن وإقبالًا على يومه بنفس مطمئنة. ولا تُنزَّل الآية على الحلم كأنها تفسيره، وإنما تُذكر لتذكير عام بمعنى الأنس بالله.
وقد تناولت كتب التعبير القديمة الأماكن الخربة والخالية بأقوال متفرقة، ومما ذكره بعض المعبّرين أن تأويل الأماكن يرجع إلى حال الرائي وما يناسب شأنه. وذهب بعض المعبّرين إلى الاعتماد على حال الرائي كذلك. وتختلف الآراء في هذه الرموز اختلافًا كبيرًا، ولا يمكن الجزم بقول محدد منهم في هذه الصورة. فهو اجتهاد ظني مفتوح للمراجعة.
ولسياق الحلم أثر في فهمه. فإن كان الرائي قد شاهد قبل نومه فيلمًا يدور في مبانٍ مهجورة، أو قرأ قصة عنها، أو مرّ في يومه بمبنى خرب فبقيت صورته في ذهنه، فالأقرب أن الحلم صدى لذلك. وإن كان قد غادر مكانًا ألفه كبيت قديم أو حي أو عمل، فقد يعبّر المشهد عن الحنين مشوبًا بالقلق. وإن كان يمر بأيام وحدة، فقد يتخذ الذهن من الخلاء صورة لها. وفي كل ذلك لا يزيد الحلم على كونه لغة داخلية.
وتختلف الدلالة باختلاف الرائين. فالمغترب الذي ترك أهله قد يرى مكانًا خاليًا يعبّر عن شوقه ووحدته. والمتقاعد الذي ترك عمله قد يعبّر الحلم عن شعور بالفراغ. والطالب الذي ترك مدينته قد يستحضر مكانًا قديمًا من طفولته. أما الصغار فتغلب عليهم الصور المأخوذة من الألعاب والرسوم المتحركة التي تتخذ من الأماكن الخربة مسرحًا. وليس لأحد من هؤلاء أن يستنتج من الحلم أكثر من حاله النفسية.
وفي التفاصيل ما يُتأمل برفق. فإن كان المكان في الحلم واسعًا فارغًا فقد يعبّر عن شعور بالفراغ الداخلي، وإن كان ضيقًا مغبرًا فقد يعبّر عن ذكريات مغلقة. وإن مشى الرائي فيه بفضول فهو أقرب إلى رغبة في استكشاف ما أهمله، وإن هرب منه فهو أقرب إلى رغبة في ترك التفكير المثقل. وإن لم يكن للمكان ملامح واضحة فهذا من طبيعة الأحلام التي لا تحتفظ بتفاصيل المكان كاملة. وتبقى هذه كلها معانيَ محتملة.
ومن الجانب النفسي، تكثر هذه الأحلام عند الشعور بالعزلة أو بعد التقاعد أو الفراق أو الانتقال إلى مكان جديد. ويفيد أن يزيد الرائي من تواصله مع أهله وأصدقائه، وأن يملأ يومه بنشاط يحبه، وأن يعيد إحياء ما أهمله من هوايات نافعة. وهذا ليس نصيحة طبية أو نفسية. فإن تكررت الأحلام وصاحبها حزن مستمر أو خوف شديد أو اضطراب في النوم، فمن الحسن عرض الأمر على طبيب أو مختص، وأن يتحدث مع أحد الأهل.
ومما يخفف أثر هذه الصور أن يتذكر الرائي أن الأمكنة المهجورة في الأحلام ليست أماكن حقيقية بالضرورة، بل هي مساحات داخلية يمكن إعمارها بالعلاقات الطيبة والعمل النافع والذكر الحسن. وكلما ملأ الإنسان يومه بما يحب ويفيد، قلّ تسلل الوحشة إلى منامه. وهناك من يجد راحة في تدوين مشاعره أو في الحديث مع صديق مقرّب، فيخرج ثقل الصورة من داخله. وتبقى الحياة أوسع من حلم عابر.
وفي الختام، فكل ما سبق اجتهاد بشري ظني لا يبلغ اليقين، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. وحسن الظن بالله باب أنس لكل قلب، والدعاء بالسكينة وبالصحبة الطيبة خير ما يُلجأ إليه. وليمض الرائي في يومه مطمئنًا إلى أن الله قريب ممن يذكره. والله أعلم.
