من الأحلام الشائعة أن يرى النائم صورة غامضة تتخذ هيئة حيوان، فيستيقظ متعجبًا من اجتماع المجهول مع شكل من أشكال الحيوان المألوفة. والقراءة الهادئة تقول إن هذا الشكل مجرد صورة ذهنية استعارها العقل من الذاكرة والحكايات والرسوم، لا أنه وصف لحقيقة كائن. فالذهن يخزن أشكال الحيوانات منذ الطفولة، ويستعملها عند الحاجة لتجسيد المشاعر الغامضة. وكل ما سيأتي قراءة رمزية لا تثبت وجود شيء ولا تخبر بحدث.
الحيوان في لغة الرؤى يرمز غالبًا إلى الدوافع والانفعالات الغريزية وما يعتمل في النفس بلا اسم، فقد يمثل الغضب أو الخوف أو الرغبة أو الحذر. وإذا اجتمع ذلك مع الغموض، فقد يعبّر المشهد عن شعور قوي لم يجد له الرائي تعبيرًا في يقظته، كغيظ مكبوت أو توجس من موقف أو توتر لم يُفصح عنه. وتختلف دلالة كل حيوان بحسب ما يرتبط به في ذهن الرائي وثقافته، فقد يرتبط عند قوم بالقوة وعند آخرين بالمكر أو الوداعة. ولذلك لا ينبغي تعميم معنى ثابت.
وقال الله تعالى: ﴿وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ﴾ (سورة النور، الآية 45). وفي الآية تذكير بسعة خلق الله وتنوع مخلوقاته، وبأن كل ما يدب على الأرض مخلوق له. ولا تُنزَّل الآية على الحلم كأنها تفسيره، فالصورة في المنام ذهنية، وإنما تُذكر لتعميق معنى الاطمئنان إلى خلق الله. يحسن بالرائي أن يستقبل ما رآه بهدوء، فيتذكر أن كثيرًا من الصور التي تمر في المنام تعبّر عن مشاعر اليوم وأفكاره، وأن النفس تهدأ حين لا تُحمَّل الصورة العابرة أكثر مما تحتمل، ثم يعود إلى يومه مطمئنًا.
وفي كتب التعبير القديمة تفصيل كثير في رموز الحيوانات، تتباين فيه الأقوال تباينًا كبيرًا. ومما ذكره بعض المعبّرين أن للحيوان في الرؤيا دلالات تتغير بحسب حال الرائي وسياق المشهد. وذهب بعض المعبّرين إلى اعتبارات قريبة من هذا. ولا يمكن الجزم بقول محدد منهم في هذه الصورة، ولذلك يبقى القول ظنيًا يُذكر للتأمل، وهو لا يتعلق بشخص ولا يتضمن اتهامًا.
ولسياق الحلم أثر. فإن كان الرائي قد شاهد وثائقيًا عن الحيوانات المفترسة أو مرّ بحيوان مفاجئ في طريقه أو تعامل مع حيوان أليف في يومه، فالأقرب أن الذهن استحضر ذلك. وإن كان يعيش مشكلة تتعلق بطبع شخص خشن أو بموقف عنيف، فقد يمثل الحيوان ذلك الطبع. وإن كان قد سمع أصواتًا أثناء النوم كنباح أو مواء، فقد تدخل في نسيج الحلم. وكل ذلك يؤكد أن الصورة تُصنع من مواد الحياة اليومية.
وتتفاوت المعاني بين الرائين. فالطفل الذي يخاف من الكلاب قد يرى صورًا مخيفة بهيئتها ولو لم يرها مؤخرًا. والمزارع أو الراعي الذي يعايش الحيوانات قد تتأثر أحلامه بتلك الحياة. والموظف المتوتر قد يتجسد توتره في شكل حيوان غاضب. وربة البيت قد تتحول مخاوفها المتراكمة إلى صور حيوانية في المنام. وهذه كلها تقديرات لا تحدد شيئًا، ولا يُحمل أحد بسببها على ظن سيئ.
وفي التفاصيل ما يُتأمل. فإن كان الحيوان هادئًا فالمعنى أقرب إلى انفعال خفيف، وإن كان هائجًا فالمعنى أقرب إلى توتر شديد. وإن كان الرائي يقترب منه فقد يعبّر عن رغبة في مواجهة الشعور، وإن كان يبتعد فقد يعبّر عن رغبة في الهروب منه. وتتحول الصور الحيوانية في الأحلام بين وقت وآخر من نوع إلى نوع، ومن حجم إلى حجم، وهذا يؤكد أنها رموز تتشكل ولا تثبت.
ومن الجانب النفسي، تكثر هذه الأحلام مع الغضب المكبوت والإرهاق والضغط المستمر. ويفيد أن يعبّر الإنسان عن مشاعره بالكلمة الهادئة وبالحديث مع من يثق به، وأن يمارس الرياضة الخفيفة، وأن ينظم نومه. وهذا ليس نصيحة طبية أو نفسية. فإن تكررت الأحلام وأقلقت صاحبها أو أثّرت في نومه أو مزاجه، فمن الحسن أن يعرضها على طبيب أو مختص، وأن يتحدث مع أحد أهله.
ومما يطمئن أن الحيوانات في الأحلام كثيرًا ما تتخذ رمزًا للانفعالات التي تهدأ بالتعبير عنها، وأن الإنسان قادر بتنظيم يومه على تخفيف حدة هذه الصور. وإن بقي أثر الحلم في النفس فلا بأس أن يخرج الرائي إلى مكان مفتوح ويستنشق هواءً نقيًا، وأن يحادث أحد أهله بما يريح. وكل مشهد من هذه المشاهد يمر ولا يترك أثرًا طويلًا إذا لم يُغذَّ بالقلق. ولا حاجة إلى البحث عن هيئة محددة.
وفي الختام، فكل ما كُتب هنا اجتهاد بشري ظني لا يبلغ اليقين، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. وحسن الظن بالله أصل السكينة، والدعاء بالطمأنينة وصفاء النوم خير ما يُقال. وليبق الرائي مطمئنًا إلى لطف ربه. والله أعلم.
