حلم الجن في القصص المخيفة مشهد شائع عند من يقرأ أو يسمع ما يثير الرهبة، ومن الحسن أن يُنظر إليه بهدوء. الرؤيا في أصلها صور رمزية يصنعها العقل من مشاعر اليوم ومسموعاته، ولا ينبغي أن تُقرأ على ظاهرها. وهذا المقال يعالج المشهد تفسيرًا نفسيًا يتصل بأثر القراءة والسماع في الخيال، لا على أنه خبر عن واقع. وما يرد فيه تفسير عام محتمل يتفاوت من رائٍ إلى آخر. فليكن القارئ مطمئنًا وهو يتابع.
القصص المخيفة في عالم الرموز لعبة للخيال تقوم على التشويق وإثارة الرهبة، وغايتها أن تشد القارئ أو السامع. وهي تعتمد على اللغة والإيحاء، فيكمل العقل بنفسه الصور غير المكتملة بما هو أشد مما كُتب. أما الجن في الخيال الشائع فهو رمز لما لا يُرى ولا يُعرف، ولذلك كثر جعله مادة للحكايات المرعبة. وقد يكون المعنى القريب أن الذهن يستحضر ما قرأه فيحوّله في الحلم إلى مشهد مخيف. وهي قراءة نفسية قريبة لا تدل على شيء حقيقي.
من الطبيعي أن تختلف مشاعر الناس تجاه الصور التي تمر بهم في المنام، فمنهم من تهدأ نفسه سريعًا ومنهم من يحتاج إلى وقت، وكلا الأمرين مقبول، والمهم أن يعطي الرائي نفسه فرصة للسكون دون تعجل في الوصول إلى معنى. من المفيد أن يفرّق الرائي بين ما يشعر به أثناء النوم وما يعيشه في واقعه، فقد يكون الخوف في المنام صدى لتعب أو ضغط عابر، وقد يزول بزوال سببه، ولا يكون في الغالب أكثر من تعبير ذهني عن إجهاد أو انشغال. فالمقصود إعادة الحلم إلى حجمه الطبيعي.
يذكر بعض المعبّرين أن الأحلام تُفسَّر بحسب حال الرائي وما يحيط به، وأن الصورة المخيفة قد تختلف دلالتها اختلافًا واسعًا. وذكر بعض المعبّرين أن من الأحلام ما هو حديث نفس وما يشغل صاحبه في يقظته، وهذا معنى مشهور في أبواب التعبير وإن اختلفت العبارات. وذهب بعض المعبّرين إلى أن ما يراه الإنسان قد يتصل بانشغال نفسه بما قرأ وسمع، دون جزم بذلك. وتتعدد الأقوال تعددًا كبيرًا. ولذلك لا يصلح الاعتماد على قول واحد.
وللسياق أثر كبير في فهم الصورة، فالقراءة المتأخرة في الليل والإضاءة الخافتة والعزلة تزيد أثر القصة في النفس. وقد يتضاعف الأثر عند القراءة أو السماع مباشرة قبل النوم. وقد يرتبط بتجمع الأصدقاء أو الأسرة حول حكايات مرعبة في جلسة سهر. وقد يزداد مع التعب وقلة النوم وضعف قدرة الذهن على التمييز. وهذه كلها أسباب قريبة معروفة.
وتختلف دلالة المشهد بحسب نوع الرائي، فالمولع بالقراءة قد يملك خيالًا واسعًا يضخّم ما قرأ. والطالب قد يتأثر بما يتداوله زملاؤه من روايات مخيفة. والصغير الذي سمع قصة مرعبة قد يظهر أثرها في نومه، وهذا يخص الصغار عمومًا لا طفلًا محددًا. وكبير السن قد يستعيد قصصًا سمعها في صباه فتعود في أحلامه. ومن كان حساسًا بطبعه قد يتأثر سريعًا بما يسمع.
وتفاصيل المشهد تضيف معاني محتملة، فأن تأتي الصور مطابقة لما قرأه الرائي قد يدل على أنها مأخوذة منه. وأن تتبدل الأحداث وتتداخل الأماكن أمر طبيعي في الأحلام. وأن تخف الصور بعد ترك القراءة المخيفة قد يدل على أثر المصدر. وأن يستيقظ الرائي فيتذكر أصل القصة أمر شائع. وكل ذلك احتمالات ظنية لا تُجزم.
والزاوية العملية والنفسية أن اختيار ما يُقرأ ويُسمع قبل النوم من أنفع ما يخفف هذه الأحلام، وأن يكون وقت الراحة بعيدًا عن القصص المثيرة للرهبة. ومن الحسن أن يقرأ الإنسان قبل نومه ما يهدئ نفسه، وأن يترك القراءة المخيفة للنهار إن أرادها. وليس هذا الحلم نصيحة طبية أو نفسية، فإن تكررت الأحلام المزعجة أو استمر القلق في النهار فمن الحسن عرض الأمر على طبيب أو مختص. والحديث مع الأهل عن القصة يعيدها إلى حجمها كحكاية. والعناية بالنوم والراحة تفيد كثيرًا.
ومما يطمئن أن أثر القصص في الأحلام أمر مألوف عند كثيرين، وأنه يزول غالبًا مع تغيير عادة القراءة. فالقصة نص كتبه مؤلف لإثارة الشعور، والحلم صورة تصنعها الذاكرة ثم تنساها. ولا حاجة إلى أن يحمّل الرائي الحلم أكثر مما يحتمل. ويحسن أن يبدأ يومه بنزهة قصيرة وبعمل يحبه. وحسن الظن بالله أصل كل طمأنينة.
وختامًا فإن ما سبق اجتهاد بشري ظني لا يدّعي الجزم، والعلم بحقيقة الأحلام عند الله وحده. فليدعُ الرائي ربه بالسكينة وراحة البال، وليحسن الظن به سبحانه. والغيب لا يعلمه إلا الله، وليس في هذا الحلم ما يوجب الخوف. فليمضِ مطمئنًا إلى يومه.
