الظل من الصور التي يألفها الذهن في اليقظة، فهو أثر الضوء حين يحجبه جسم، ويتحرك بحركة صاحبه وقد يطول ويقصر. وإذا رأى النائم في حلمه صورة غامضة في هيئة ظل، فالأقرب أن العقل استعمل هذا الشكل البسيط ليعبّر عن شعور مبهم لا ملامح له. وهذه القراءة رمزية هادئة، فالظل في الحلم مجرد شكل ذهني، ولا يثبت وجود شيء حقيقي، ولا يخبر بما سيقع. وتبقى الأحلام لغة داخلية تتفاوت معانيها بين إنسان وآخر.
الظل في عالم الرؤى يرمز إلى ما لا ملامح له وما يتبع الإنسان ولا يفارقه، وقد يرمز إلى الجانب الخفي من النفس أو إلى هاجس يرافق الرائي. فإذا اجتمع الظل مع رمز الغموض، فقد يعبّر ذلك عن قلق خفيف لا يظهر واضحًا لكنه حاضر في الخلفية، أو عن موضوع يتردد في ذهن الرائي دون أن يقف عنده. وهو أيضًا رمز للستر والراحة في بعض الأحوال، فللظل في الحر معنى طيب، وهذا يذكّر بأن الصورة الواحدة قد تحمل معنيين.
وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ﴾ (سورة الفرقان، الآية 45). وفي الآية دعوة إلى التأمل في خلق الله، وإلى أن الظل نفسه من آياته التي تُرى كل يوم، فلا يكون مصدر رهبة لمن تأمله. ولا تُنزَّل الآية على الحلم كأنها تفسيره، وإنما تُذكر لقيمة التأمل الهادئ. من الطبيعي أن تختلف مشاعر الناس تجاه الصور التي تمر بهم في المنام، فمنهم من تهدأ نفسه سريعًا ومنهم من يحتاج إلى وقت، وكلا الأمرين مقبول، والمهم أن يعطي الرائي نفسه فرصة للسكون دون تعجل في الوصول إلى معنى.
وفي كتب التعبير القديمة إشارات إلى الظل ودلالاته في الرؤى، ومما ذكره بعض المعبّرين أن للظل معاني تتبع حال الرائي وما يحيط به. وذهب بعض المعبّرين إلى اعتبارات متقاربة. وتتفاوت الأقوال في هذا الباب، ولا يمكن الجزم بقول محدد منهم في هذه الصورة. فالتأويل المذكور هنا اجتهاد ظني، يُقدَّم على سبيل التقريب والاحتمال.
ولسياق الحلم أثر. فإن كان الرائي قد شاهد ظلالًا في غرفته قبل نومه، أو مرّ بمشهد مضاء بإضاءة خافتة، فقد ينتقل ذلك إلى الحلم. وإن كان يمر بأيام يشعر فيها بشيء يلاحقه من عمل متراكم أو التزام ثقيل، فقد يتجسد هذا الشعور في صورة ظل. وإن كان قد شاهد فيلمًا يستعمل الظلال لصنع التوتر، فقد استعاد الذهن الأسلوب نفسه. وفي كل ذلك فالظل من مواد الحياة اليومية التي يستعملها الخيال.
وتتفاوت المعاني بين الرائين. فالمنشغل بمسؤوليات كثيرة قد يمثل الظل في حلمه ما يتبعه من التزامات. والذي يشعر بتأنيب ضمير من أمر مضى قد يتجسد ذلك في شكل ظل يرافقه. والطالب الذي يخشى النتيجة قد يعبّر عن توجسه بصورة غامضة تتبعه. وأما الصغار فيتأثرون بظلال الغرفة ومصابيح الشارع، وتتحول عندهم إلى صور في المنام. ولا يلزم أن يحمل أحد هذه المعاني كحقيقة.
وفي التفاصيل ما يُتأمل. فإن كان الظل ثابتًا فقد يعبّر عن فكرة مسيطرة، وإن كان متحركًا فقد يعبّر عن أفكار متقلبة. وإن كان طويلًا فقد يدل على شعور بالثقل، وإن كان قصيرًا فقد يدل على قلق خفيف. وإن اختفى عند الاقتراب منه فقد يعبّر عن أن المخاوف تتضاءل بالمواجهة. وهذا كله لا يتجاوز كونه تقريبًا، فالظلال في الأحلام تتغير وتتلاشى بلا قاعدة.
ومن الجانب النفسي، تكثر هذه الأحلام مع الإرهاق وقلة النوم والتوتر وكثرة الأفكار المتلاحقة. ويفيد أن يهيئ الإنسان غرفة نوم هادئة بإضاءة معتدلة، وأن يقلل من التفكير في المشاغل قبل أن ينام، وأن يكتب ما يشغله ثم يطوي الورقة. وهذا ليس نصيحة طبية أو نفسية. فإن تكررت هذه الأحلام وأقلقت صاحبها أو أثّرت في نومه، فمن الحسن أن يعرضها على طبيب أو مختص، وأن يتحدث مع أحد أهله.
ومما يطمئن أن الظل لا يظهر إلا حيث يوجد ضوء، وأن النور حاضر ولو خفت. وكل ظل في الحلم يمكن أن يتلاشى بمجرد الاستيقاظ وإشعال ضوء الغرفة. ولو تأمل الرائي ظلال بيته في النهار لعرف أنها أشكال مألوفة لا تخيف، ولا يكون في الحلم إلا ما اختزنه ذهنه منها. وهذا الفهم يخفف الأثر ويعيد الأمور إلى حجمها الطبيعي. وقد يجد الرائي في حديث هادئ مع أحد أهله بعد الاستيقاظ ما يزيل بقية الانقباض، فالكلمة الطيبة تفعل في النفس ما لا يفعله التحليل الطويل. ولا حاجة إلى البحث في كل ظل عن معنى، فبعض الصور لا تحمل إلا ما يضيفه الرائي إليها من خوف.
وفي الختام، فكل ما سبق اجتهاد بشري ظني لا يبلغ اليقين، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. وحسن الظن بالله يملأ القلب نورًا، والدعاء بالسكينة وصفاء الذهن خير ما يُقال. وليمض الرائي إلى يومه مطمئنًا. والله أعلم.
