حين يرى الإنسان في منامه صورة الجن في ظلام أو وحدة ويشعر بالقلق، يستيقظ وهو يتلمس ما حوله ليطمئن. والنظرة الهادئة إلى هذا المنام أنه صورة ذهنية رمزية، صنعها الخيال من الظلام والصمت والوحدة وما علق به من حكايات. فهو ليس إثباتًا لشيء حقيقي في المكان، وليس علامة ولا إنذارًا، ولا يخبر عن شيء. وهذا المقال يعرض ما قيل في هذه الرؤيا بنبرة مطمئنة، مع التأكيد على أن كل ذلك اجتهاد ظني.
الظلام والوحدة من أقدم ما يثير القلق في النفس الإنسانية، فالبصر لا يرى والأذن تلتقط أصواتًا صغيرة فيملأ الخيال الفراغ بما شاء. والجن في لغة الرموز عند بعض المعبّرين يرتبط بما لا يُرى وما يخفى، فيناسب صورة الظلام الذي لا يُبصر ما فيه. وقد يظهر هذا الرمز في الحلم حين تجتمع الوحدة مع الصمت والتفكير. وهو تجسيد لشعور الإنسان لا لحقيقة خارجة عنه.
ولقد جعل الله الليل سكنًا ولباسًا، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ (سورة الأنعام، الآية 96). وفي هذا ما يذكّر بأن الليل في أصل خلقه مكان للراحة والهدوء، وهو ربط عام بالسكينة لا تفسير لحلم محدد. من المفيد أن يفرّق الرائي بين ما يشعر به أثناء النوم وما يعيشه في واقعه، فقد يكون الخوف في المنام صدى لتعب أو ضغط عابر، وقد يزول بزوال سببه، ولا يكون في الغالب أكثر من تعبير ذهني عن إجهاد أو انشغال.
ذكر بعض المعبّرين أن الرؤيا يُنظر فيها إلى حال الرائي وزمانه ومكانه، وأن الرمز الواحد يختلف باختلاف الناظرين. وذهب بعض المعبّرين إلى أن للأحلام صلة بما في النفس من هموم وأفكار. وقد تباينت أقوال المفسرين في هذا الرمز تباينًا يمنع الجزم، فلا يُبنى على قول منها شيء. وهذه الأقوال إشارات للاسترشاد في طريقة النظر لا لاستخراج توقعات.
والقلق من الوحدة والظلام يمر به كثيرون في مراحل مختلفة من أعمارهم، ولا يختص به صغير ولا كبير. فبعضهم يشعر به منذ الطفولة وبعضهم يظهر عنده بعد تغير في الحياة كالانتقال أو الغربة أو فقدان الأنس. وفي هذه الحالات يميل الذهن إلى إنتاج صور مخيفة تعبّر عن حاجته للأنس والأمان. وهذه الحاجة طبيعية ومفهومة، وليس فيها ما يدعو إلى الخجل.
وللأجواء المحيطة بالنوم أثر كبير، فالغرفة المظلمة تمامًا، والصمت الشديد، والسهر على الشاشات المخيفة، والعشاء الثقيل، كلها قد تزيد من حدة الأحلام. ومن الحسن أن يهيئ الإنسان لنفسه جوًا هادئًا قبل النوم، بإضاءة خفيفة إن احتاج إليها وبعبارات طيبة وبقراءة ما يريح القلب. وهذا يقلل من أثر الخيال على الليل. والمكان المألوف النظيف يبعث في النفس أمانًا لا يُشترى.
وتفاصيل الحلم تفيد في فهم الشعور فقط، فهل كان المشهد في غرفة النوم أم في مكان بعيد، وهل كان الظلام تامًا أم خافتًا، وهل استيقظ الرائي مفزوعًا أم ساكنًا. وكلما خفّ الأثر بعد الاستيقاظ دلّ ذلك على أن الذهن أفرغ ما فيه. أما إذا تكرر الخوف الشديد في الليل وأثّر في النوم فهو يستحق عناية. وهذه قراءة رمزية عامة لا تتضمن إخبارًا عن شيء.
ومن الجانب العملي فإن الحديث مع الأهل أو الأصدقاء عن هذا الخوف يخفف منه كثيرًا، وكذلك النوم المنتظم والإضاءة الخفيفة والابتعاد عن المحتوى المرعب. وهذا الكلام ليس نصيحة طبية أو نفسية، وإنما إرشاد عام للعناية بالنفس. وإذا اشتد القلق أو دام أو أثّر في النوم والحياة اليومية فالأنسب أن يتحدث الرائي مع مختص أو مع أحد أهله المقربين دون تأخير. فالخوف الذي يُشارَك أخف من الخوف الذي يُكتم.
ولا ينبغي أن يجعل الرائي الحلم ميزانًا لما حوله، فالأحلام تأتي وتزول والنفس تهدأ بالأنس. وفي ذكر الله وحسن الظن به ما يملأ الليل طمأنينة، وفي صحبة الأهل ما يملأ البيت دفئًا. وكلما اعتاد الإنسان على الأنس بالله وبمن حوله، لانت عليه ساعات الوحدة وخفّ ظلام الليل على قلبه. والنهار القادم يحمل ضوءه مهما طال الليل. ومن اللطيف أن يجعل الإنسان قبل نومه عادة بسيطة هادئة، كشرب كوب دافئ أو ترتيب فراشه أو الحديث الودود مع أهله، فالعادة المطمئنة ترسل إلى الجسد إشارة بأن الليل وقت راحة. وكلما صار الليل مألوفًا ودودًا في الذهن، قلّ مجال الخيال في رسم صور تخيف. وفي الأنس بقراءة ما يبعث الراحة في النفس قبل النوم عون كبير لمن يضيق بالظلام.
وما سبق كله اجتهاد بشري ظني، لا يبلغ اليقين، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. وعلى الرائي أن يحسن الظن بربه ويدعوه بالأمان والسكينة وراحة البال. ويُرجى لكل من يخاف الوحدة أن يمنحه الله أنسًا بقربه وبمن حوله. والله أعلم بحقيقة ما يُرى في المنام.
