إذا رأت المرأة الحامل في منامها صورة الجن واستيقظت منزعجة فإن الأنسب أن تنظر إلى ما رأت على أنه صورة ذهنية رمزية، وأن تعامل نفسها كرائية للمنام كأي رائية أخرى. فهذا الحلم لا يدل على شيء يخصها أو يخص أمرًا آخر، وليس إنذارًا ولا علامة. وصورة الجن في الذهن تتكون من حكايات سمعها الإنسان وأخيلة مرّت به، ثم تظهر في النوم حين يهدأ الجسد ويصحو الخيال. وهذا المقال يتناول الرمز بنبرة هادئة، ويذكّر دائمًا بأن التفسير اجتهاد ظني لا أكثر.
وفي كتب التعبير يُقرن الجن عند بعضهم بما يخفى ولا تُعرف حقيقته، فهو أقرب إلى معنى المجهول والغامض. وقد يكون ظهوره في الحلم انعكاسًا لسؤال داخلي لم يُجب عنه أو شعور مبهم لم يُسمَّ. وتتغير الدلالة بتغير مشاعر الرائية، فمن رأته بهدوء غير من رأته بفزع. ولذلك فإن قراءة الرمز منفصلًا عن صاحبه قراءة ناقصة، والأولى النظر إلى حال الرائية وما تمر به في يقظتها.
ومن التذكير اللطيف في موضوع النوم أن الله سبحانه جعله نعمة وراحة، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ (سورة الفرقان، الآية 47). والمعنى العام أن الليل ستر وسكن، وأن النوم راحة للجسد، وهذا يصلح أساسًا لطمأنينة الرائية. يحسن بالرائي أن يستقبل ما رآه بهدوء، فيتذكر أن كثيرًا من الصور التي تمر في المنام تعبّر عن مشاعر اليوم وأفكاره، وأن النفس تهدأ حين لا تُحمَّل الصورة العابرة أكثر مما تحتمل، ثم يعود إلى يومه مطمئنًا.
ذكر بعض المعبّرين أن الرؤيا ينبغي أن تُفهم في سياق صاحبها، وأن الرمز لا يحمل معنى واحدًا لكل أحد. وذهب بعض المعبّرين إلى أن المعبّر الحصيف يتروى ولا يتعجل في بيان ما رآه الرائي. وقد تباينت آراء المعبّرين في كثير من الرموز، ومنها هذا الرمز، فلا ينبغي التعلق بقول واحد. وهذه الأقوال تُذكر للاسترشاد في طريقة القراءة، لا لإصدار قرار أو توقع.
وما يحيط بالرائية في هذه المرحلة من أفكار وتغيرات في الراحة والنوم والمشاعر قد يترك أثره في الأحلام عمومًا. فالنوم المتقطع يجعل الحلم أوضح في الذاكرة، والتعب يضخم أثر الصور المخيفة. وقد يمر بالمرأة في هذه الأيام كثير من الأحاديث والنصائح والقصص، فيختلط بعضها بالخيال ويظهر في المنام. وهذا كله تفسير نفسي عام لا يحمل أي ادعاء عن شيء محدد، ولا يستدعي خوفًا.
وبوصف الرائية فهي إنسانة تحمل همومها وأفراحها كغيرها، وقد تكون في مرحلة تتطلب مزيدًا من الرفق بالنفس. ويحسن بها أن تتعامل مع أحلامها بلين، فلا تحفظ تفاصيلها ولا تعيد تذكرها طويلًا. وإذا ظهر الجن في حلمها فإن في الإعراض عن التفكير فيه ما يريح البال أكثر من تحليله. والصورة التي لا تُغذّى بالاهتمام تذبل سريعًا وتزول من الذاكرة.
وتفاصيل الحلم تفيد في فهم الشعور لا في توقع حدث، فهل كان المشهد قصيرًا أم طويلًا، وهل أفاقت الرائية فورًا أم عادت إلى النوم، وهل بقي الأثر ساعات أم زال سريعًا. وكلما كان الأثر خفيفًا وعابرًا دلّ ذلك على أن الذهن أفرغ ما فيه ومضى. وبعض المعبّرين يقرؤون الصور المرتبكة على أنها صدى لتزاحم الأفكار. ولا يُقصد من ذلك بيان معنى جازم، وإنما تقريب المعنى النفسي للصورة.
ومن الناحية العملية فإن الراحة الكافية والطعام الخفيف قبل النوم والابتعاد عن المشاهد المرعبة تفيد في تهدئة الأحلام. وهذا الكلام ليس نصيحة طبية أو نفسية، وإنما إرشاد عام للعناية بالنفس. فإن بقي القلق مصاحبًا للرائية أو تكررت الأحلام المزعجة وأثرت في راحتها فلتتحدث مع طبيبتها أو مختص أو أحد أهلها. والكلام مع الأقربين يخفف من حدة المشاعر أكثر مما يظن كثيرون.
ولا يخفى أن الأنفس تحتاج إلى سكينة تتجاوز تفسير الأحلام، وهي سكينة تتحقق بذكر الله والرفق بالجسد والتحدث بما في الصدر. فلا ينبغي أن يُجعل الحلم حاكمًا على الأيام، ولا أن يُقرأ كرسالة غيبية. وفي وسع الرائية أن تغلق صفحة هذه الرؤيا وتفتح صفحة يوم جديد بقلب خفيف. والاشتغال بما ينفع أفضل من الغوص في ما لا يُعلم.
وما سبق كله اجتهاد بشري ظني لا ثبات له، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. وعلى الرائية أن تحسن الظن بربها وتتوجه إليه بالدعاء أن يمنحها السكينة والعافية في كل أحوالها. ويكفي أن تنهض من نومها وتبدأ يومها بخطى هادئة، فالحلم صورة والواقع أوسع منه. والله أعلم بحقيقة كل ما يمر في المنام.
