الاستعاذة في الحلم صورة يشعر صاحبها بعد الاستيقاظ بشيء من الارتياح، وقد يتساءل عن معناها. الرؤيا في أصلها صور رمزية يصنعها العقل من مشاعر الإنسان وما اعتاده في يقظته، ولا ينبغي أن تُقرأ على ظاهرها. وهذا المقال يعالج المشهد على أنه خيال ذهني يتصل بحاجة النفس إلى الأمان، لا على أنه خبر عن واقع. وما يرد فيه تفسير عام محتمل يتفاوت من رائٍ إلى آخر. فليكن القارئ مطمئنًا وهو يتابع.
الاستعاذة في وجدان المسلم معناها اللجوء إلى الله والاحتماء به، ولذلك قد تظهر في الحلم حين تشعر النفس بالخوف. فهي في عالم الرموز تعبّر عن رجوع الذهن إلى ما يألفه من أسباب الأمان. أما الجن في الخيال الشائع فهو رمز للمجهول المخيف، فيجتمع في المنام ما يخيف وما يُطمئن. وقد يكون المعنى القريب أن النفس تستحضر ما تعلمته منذ الصغر حين يضيق بها الحال. وهذه قراءة نفسية لا تعني أن أمرًا حقيقيًا قد وقع.
من المفيد أن يفرّق الرائي بين ما يشعر به أثناء النوم وما يعيشه في واقعه، فقد يكون الخوف في المنام صدى لتعب أو ضغط عابر، وقد يزول بزوال سببه، ولا يكون في الغالب أكثر من تعبير ذهني عن إجهاد أو انشغال. يقوم الاطمئنان على فهم بسيط، وهو أن المنام تجربة ذهنية تمر ثم تنتهي، وأن حياة الإنسان تُبنى بما يفعله في يقظته من عمل وعلاقات وحسن ظن بالله، لا بما يراه في ساعات النوم من صور متقلبة. ينبغي أن يبقى التعامل مع المنام في حدوده الرمزية والنفسية، فلا يُبنى عليه قرار ولا تُقلب به خطة، وإنما يكون مناسبة لتأمل الإنسان في مشاعره وما يشغل باله، ثم يمضي بعدها إلى عمله وبيته وأهله مطمئنًا. وفي هذا ما يطمئن الرائي بأن الحلم المخيف لا يُحمَّل أكثر مما يحتمل.
يذكر بعض المعبّرين أن الأحلام تُفسَّر بحسب حال الرائي وما يحيط به، وأن الصورة الواحدة تتباين دلالتها. وذكر بعض المعبّرين أن رؤية الإنسان نفسه ملتجئًا إلى الله في المنام تُحمل عند بعض المفسرين على معاني الطمأنينة والخير، وهذا مما اختلف فيه أهل التعبير. وذهب بعض المعبّرين إلى أن أحوال الخوف والالتجاء تدل على ما في النفس، دون جزم بذلك. وتتعدد الأقوال في ذلك بحسب هيئة الحلم. ولذلك فالأولى ألا يُبنى على أحدها أمر في اليقظة.
وللسياق أثر في فهم الصورة، فقد تأتي هذه الرؤيا بعد يوم مرهق أو بعد حكاية مخيفة سمعها الرائي أو شاهدها. وقد تأتي في مرحلة قلق من أمر قادم فيعبّر الذهن عن حاجته إلى الأمان. وقد تأتي بعد حديث مع الأهل أو الأصدقاء عن موضوع مخيف فتتمثل المخاوف في المنام. وقد تأتي في أوقات يكثر فيها السهر وقلة النوم فيضطرب الحلم. وهذه الأحوال كلها قريبة من الواقع النفسي المألوف.
وتختلف دلالة المشهد بحسب نوع الرائي، فالصغير قد يعبّر عن حاجته إلى قرب أبويه وإلى كلمة تطمئنه. والشاب قد يحمل المشهد عنده ضغط الأيام وكثرة الأفكار. والأم قد يعبّر المشهد عندها عن قلق على أسرتها وحرص على راحتهم. والمقيم بعيدًا عن أهله قد يرى الصورة تعبيرًا عن حنينه إلى الأمان القديم. وكبير السن قد يستعيد أنسه بما تعلمه منذ الصغر.
وللتفاصيل أثر في المعنى المحتمل، فأن يهدأ المشهد بعد الالتجاء قد يُقرأ على أنه إحساس بالقدرة على تهدئة النفس. وأن يتعثر الكلام أو يضعف الصوت أمر شائع في الأحلام ولا دلالة محددة له، فالنوم يثقل الحركة والنطق. وأن يستيقظ الرائي أثناء المشهد أمر عادي كثير الحدوث. وأن يبقى أثر الخوف قليلًا بعد الاستيقاظ يزول غالبًا مع الوقت. وهذه كلها احتمالات ظنية.
والزاوية العملية والنفسية أن الحلم لا يُجعل وصفة ولا تعليمات، فهو مشهد ذهني وليس إرشادًا لفعل بذاته. وما يتعلق بآداب الاستعاذة في اليقظة يُسأل عنه أهل العلم لا الأحلام. وليس هذا الحلم نصيحة طبية أو نفسية، فإن تكررت الأحلام المخيفة أو صار الخوف يرافق النهار فمن الحسن الحديث مع أحد الأهل أو مع طبيب أو مختص. وتخفيف المشاهد المخيفة قبل النوم والعناية بالراحة يقللان هذه التجارب. والبوح بما يشغل النفس يذيب جزءًا من ثقله.
ومما يطمئن أن الأحلام المخيفة ليست خبرًا يُصدَّق، وأن الذهن قد يصنع منها صورًا من مادته الداخلية. فمن رأى هذا المشهد ثم استيقظ فقد عاد إلى واقعه الآمن بين أهله ومكانه المألوف. ويحسن ألا يطيل الرائي التفكير في تفاصيله، وأن يشغل يومه بما ينفعه ويسره. والحديث الطيب في الصباح يذيب أثر الصور المزعجة. وحسن الظن بالله أصل كل طمأنينة.
وختامًا فإن ما سبق اجتهاد بشري ظني لا يدّعي الجزم، والعلم بحقيقة الأحلام عند الله وحده. فليدعُ الرائي ربه بالسكينة وراحة البال، وليحسن الظن به سبحانه. والغيب لا يعلمه إلا الله، وليس في الحلم ما يدعو إلى القلق. فليمضِ مطمئنًا إلى يومه وليأخذ بأسباب الراحة.
