الليل هو وقت النوم والأحلام، فإذا رأى النائم في منامه صورة غامضة في مشهد ليلي فليس في ذلك ما يُستغرب، لأن الظلمة تفتح للخيال بابًا واسعًا. والمشهد الليلي في الحلم قد يكون انعكاسًا لحال الرائي أكثر منه حدثًا مستقلًا. وهذه قراءة رمزية هادئة، لا تثبت وجود شيء حقيقي ولا تُخبر بما سيقع. وحسب الرائي أن يعلم أن ما رآه صورة صنعها ذهنه مما اجتمع فيه من مشاعر وذكريات.
الليل رمز في الرؤى للسكون والخفاء والاستراحة، وقد يرمز كذلك إلى ما لم يتضح بعد. وحين يجتمع الليل مع صورة الجن في الحلم يتضاعف رمز الغموض، فكأن الذهن يضع الأمر المجهول في ظلام ليزيد من خفائه. وقد يعبّر ذلك عن مرحلة في حياة الرائي لم تتضح فيها الرؤية، كعمل جديد أو انتقال أو قرار مؤجل. وقد يعبّر أيضًا عن تعب اليوم الذي يجد فيه العقل فرصته ليخرج ما كتمه النهار من مشاعر. وليس في ذلك ما يدعو إلى الفزع، فالعقل يعمل في الليل كما يعمل في النهار لكنه يستعمل لغة الصور.
وقال الله تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِتَسْكُنُوا۟ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ (سورة يونس، الآية 67). وفي الآية تذكير بأن الليل جُعل للسكون والراحة، وبأن الأصل فيه أن يطمئن الإنسان لا أن يضطرب. يفيد الرائي أن يكتب ما أقلقه في ورقة ثم يضعها جانبًا، فإن تفريغ الأفكار يخفف زحامها في الرأس، وبعد ذلك يمكنه أن يعود إلى نومه أو إلى عمله بصفاء أكبر، دون أن يحمل معه ثقل الصورة التي مرّت.
وفي كتب التعبير القديمة، ومنها ما ذكره بعض المعبّرين، عناية بوقت الرؤيا وحال الرائي عند رؤيتها. وذهب بعض المعبّرين إلى مراعاة الزمان والمكان في فهم ما يُرى. وتختلف الأقوال في أثر الوقت في المعنى، ولا يمكن الجزم بقول محدد منهم في هذه الصورة. فيبقى التفسير اجتهادًا ظنيًا يعتمد على الاحتمال ويقبل الخطأ.
ولسياق الليلة أثر. فإن كان الرائي قد سهر طويلًا أو نام متأخرًا أو تناول طعامًا ثقيلًا، فالأحلام المزعجة أكثر احتمالًا. وإن كانت الغرفة معتمة جدًا أو فيها أصوات غريبة، فقد يتسلل شيء منها إلى الحلم. وإن كانت الليلة تلت يومًا مشحونًا بالمواقف، فقد يكون المشهد طريقة العقل في ترتيب ما جرى. وكل ذلك أسباب مألوفة تفسر كثيرًا من هذه الأحلام دون حاجة إلى تأويل بعيد.
وتتنوع الدلالة بتنوع أصحابها. فمن يعمل ليلًا ويقلب نومه قد تكثر عنده الأحلام المضطربة لأن ساعته الحيوية مختلة. ومن يمر بفترة حزن أو فراق قد تتلون أحلامه بظلمة المشهد. والمسافر الذي ينام في مكان جديد قد يرى صورًا غريبة لأن ذهنه لم يألف المكان. وكبار السن يعانون أحيانًا من نوم متقطع تظهر معه أحلام واضحة مزعجة. وهذه كلها أمثلة على أن الظروف تصوغ الحلم قبل أن يصوغه أي رمز.
وفي التفاصيل ما يفيد. فإن كان الليل في الحلم هادئًا مقمرًا فهو أقرب إلى حال التأمل والسكينة، وإن كان حالكًا فهو أقرب إلى الحيرة. وإن كان الرائي وحده فقد يعبّر ذلك عن شعور بالعزلة، وإن كان مع آخرين فقد يعبّر عن حاجة إلى السند. ويُقرأ كذلك ما شعر به الرائي عند نهاية الحلم، فإن انتهى بسكينة فالصورة أخف، وإن انتهى بفزع فالأثر النفسي أظهر. وكل ذلك قراءة تقريبية لا يُجزم بها.
ومن الجانب العملي، يساعد على تقليل الأحلام المزعجة أن ينام الإنسان في موعد ثابت وأن يبتعد عن الكافيين بعد العصر ويخفف الإضاءة قبل النوم. ويفيد كذلك أن يقلل من الأخبار والمقاطع المخيفة في المساء وأن يكتب ما يشغله على ورقة قبل أن يضع رأسه. وهذا ليس نصيحة طبية أو نفسية. فإن تكررت الأحلام الليلية المخيفة، أو صاحبها أرق أو فزع عند الاستيقاظ، فمن الحسن عرض الأمر على طبيب أو مختص في اضطرابات النوم، أو الحديث مع أحد الأهل.
ومما يخفف أثر الحلم الليلي أن يجلس الرائي بعد استيقاظه قليلًا، ويشغّل ضوءًا هادئًا، ويشرب ماءً، ويتنفس بعمق حتى يهدأ جسده. وفي الغالب تتبدد الصورة سريعًا كما يتبدد دخان خفيف. وليس من المطلوب أن يستحضر الرائي كل تفاصيل المشهد، فالنسيان رحمة. ويحسن أن يترك الذهن يرتاح ثم يعود إلى نومه بفكر مطمئن مستحضرًا نعم يومه. ومن أكثر ما يهدئ القلب أن يختم الإنسان يومه بذكر الله وبحسن الظن به.
وفي الختام، فكل ما سبق اجتهاد بشري ظني لا يبلغ درجة اليقين، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. وحسن الظن بالله أصل السكينة، والدعاء بليلة هادئة ونوم صافٍ خير ما يختم به الإنسان يومه. فالليل رحمة وراحة لمن أحسن التوكل. والله أعلم بما في الصدور وما في الأحلام.
