قد يرى المريض في منامه صورة الجن فيستيقظ منزعجًا ويتساءل عن سبب هذه الصورة. والنظرة الهادئة تقول إن المنام صورة ذهنية رمزية، صنعها الخيال من حكايات ومخاوف وتعب ليالٍ طويلة، وليست إثباتًا لشيء حقيقي حوله. فهو ليس علامة ولا إنذارًا، وليس له أي صلة بحال صاحبه الصحية ولا بمآلها. وهذا المقال يعرض ما ذكره أهل التعبير عن هذا الرمز بنبرة هادئة، مع التأكيد أن كل ما يُذكر اجتهاد ظني، وأن الرائي هنا يُعامل كأي رائٍ آخر.
يرتبط الجن عند بعض المعبّرين بما لا يُرى، فهو في لغة الرموز قريب من معنى المجهول والغموض. وقد يظهر هذا المعنى في الأحلام حين يشغل الذهن سؤال لم تتضح إجابته، أو حين يطول الانتظار والترقب في الأيام الثقيلة. فالذهن يرسم الغامض في صور مخيفة لأنه يميل إلى تجسيد ما يجهله. وتختلف الدلالة باختلاف شعور الرائي داخل الحلم، فمن شعر بالدهشة غير من شعر بالفزع.
وللقرآن كلمة تسكب في القلب أملًا هادئًا، قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (سورة الشرح، الآيتان 5 و6). وفي هذا ما يذكّر بسعة رحمة الله وقرب اللطف من كل ضيق، وهو ربط عام بالسكينة لا وعد بنتيجة ولا تفسير لحلم. المنام مساحة للرمز لا للخبر، والرمز يقبل أكثر من قراءة، ولذلك يبقى كل تفسير اجتهادًا ظنيًّا قابلًا للصواب والخطأ، ويكتفي الرائي منه بما يزيده هدوءًا وحسن ظن وإقبالًا على يومه بنفس مطمئنة.
ذكر بعض المعبّرين أن الرؤيا يُنظر فيها إلى حال الرائي وما يحيط به، وأن الرمز الواحد يتعدد وجهه بتعدد أصحابه. وذهب بعض المعبّرين إلى أن للأحلام صلة بما في النفس من أفكار وهموم، فلا تُحمل كلها على معنى خارجي. وقد تباينت أقوال المفسرين في هذا الرمز تباينًا يمنع من الجزم، فلا يصلح الاعتماد على قول واحد منها. وتُذكر هذه الأقوال للاسترشاد في طريقة النظر لا لاستخراج توقع.
ومن كان في فترة تعب أو علاج أو راحة طويلة فإن لياليه تطول، وتكثر فيها الخواطر، وقد يتقطع نومه بسبب الألم أو الدواء أو المواعيد. والنوم المتقطع يجعل الأحلام أوضح في الذاكرة وأقدر على إيقاظ الخوف. وإذا اجتمع التعب مع الوحدة في الليل فقد يظهر الخيال بصور غامضة لا صلة لها بشيء واقعي. وهذا تفسير نفسي عام ولا يحمل أي ادعاء بربط الحلم بحال الجسد.
ومما يؤثر في هذه الأحلام ما يسمعه المرء من كلام الزوار والقصص التي تُروى في أوقات الفراغ الطويل، وما يشاهده على الشاشات ليقطع الوقت. فبعض هذه المشاهد قد يكون مخيفًا ثم يعود في الليل على هيئة صور غامضة. ومن الحسن أن يختار الرائي ما يشاهده ويقرؤه بما يبعث على الطمأنينة، وأن يطلب من أهله الأنس بالحديث الطيب. فالأجواء الهادئة في الغرفة تخفف كثيرًا من حدة الأحلام.
وتفاصيل الحلم تفيد في فهم الشعور فقط، فهل كان المشهد قصيرًا أم طويلًا، وهل كان الرائي وحده أم مع آخرين، وهل شعر بالخوف أم بالفضول، وكيف كان إحساسه عند الاستيقاظ. فالمشاهد التي تزول سريعًا تُقرأ على أنها تفريغ ذهني مؤقت، أما التي تبقى فربما تدل على حاجة إلى الأنس والكلام. وهذه قراءة رمزية عامة لا تتنبأ بشيء ولا تربط الصورة بأي حال من الأحوال الجسدية.
ومن الجانب العملي فإن الحديث مع الأهل والطبيب المتابع عما يقلق الرائي من أحلام أو أرق أو خوف يفيد كثيرًا، وكذلك الالتزام بما يرشد إليه الطبيب في نظام النوم والراحة. وهذا الكلام ليس نصيحة طبية أو نفسية، وإنما إرشاد عام للعناية بالنفس. فإن تكررت الأحلام المزعجة أو أثّر القلق في الراحة فالأنسب أن يتحدث الرائي مع طبيبه أو مع مختص أو مع أحد أهله المقربين. فالكلام يخفف الحمل، وطلب المساندة ليس ضعفًا.
ولا ينبغي للرائي أن يجعل الحلم مقياسًا لشيء من أحواله، فالأحلام تأتي وتزول والنفس تتقلب، والأنفع أن يشغل قلبه بذكر الله والدعاء وحسن الظن به. وفي الأنس بالأهل وكلمة الطمأنينة وقراءة ما يريح القلب ما يغني عن الغوص في تأويل صورة عابرة. وإذا مرّ الحلم فليمض معه الانشغال به، وليترك الصفحة خلفه. والاهتمام بالراحة والهدوء أنفع من أي تأويل.
وما سبق كله اجتهاد بشري ظني، قد يخطئ ولا يبلغ اليقين، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. وعلى الرائي أن يحسن الظن بربه ويدعوه بالطمأنينة والعافية وراحة البال. ويُرجى لكل من أثقله التعب أن يمنحه الله سكينة تملأ ليله وأنسًا يبدد وحشته. والله أعلم بحقيقة ما يُرى في المنام.
