قد يرى الشاب في منامه صورة الجن فيستيقظ متعجبًا أو منزعجًا، وربما يروي ما رأى لأصدقائه على سبيل الدهشة. والنظرة الهادئة إلى هذا المنام تقول إنه صورة ذهنية رمزية، صنعها الخيال من حكايات مسموعة ومشاهد مرئية وقلق داخلي. فهو ليس إثباتًا لوجود شيء قريب، وليس علامة ولا إنذارًا ولا إخبارًا بحدث قادم. وهذا المقال يعرض ما ذكره أهل التعبير عن هذا الرمز بنبرة مطمئنة، مع بقاء الأمر كله في حيز الاجتهاد.
يرتبط الجن عند بعض المعبّرين بما يخفى عن الأنظار من الأمور، فهو في لغة الرموز قريب من معنى المجهول والغموض. وقد يظهر في الحلم حين يكون الذهن مشغولًا بسؤال لم يُجب عنه بعد، أو بمرحلة جديدة لم تتضح معالمها. وتتفاوت الدلالة بحسب شعور الرائي داخل المنام، فمن اقترب بفضول غير من هرب بفزع. ولهذا فإن حال الشاب وأفكاره أولى بالنظر من الرمز وحده.
ومما يذكّر بقيمة العلاقة بالله في سن الشباب قول الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ (سورة البقرة، الآية 152). وفي هذا ما يوحي بأن الصلة بالله مصدر أنس وثبات، وهو ربط عام ولا يُراد به تفسير حلم محدد. يفيد الرائي أن يكتب ما أقلقه في ورقة ثم يضعها جانبًا، فإن تفريغ الأفكار يخفف زحامها في الرأس، وبعد ذلك يمكنه أن يعود إلى نومه أو إلى عمله بصفاء أكبر، دون أن يحمل معه ثقل الصورة التي مرّت.
ذكر بعض المعبّرين أن الرؤيا تتغير دلالتها بتغير حال الرائي وعمره وأشغاله، وأن الرمز الواحد يحتمل وجوهًا مختلفة. وذهب بعض المعبّرين إلى أن بعض الأحلام ترجع إلى ما في النفس من أفكار وأخيلة. وقد اختلف المفسرون في دلالة هذا الرمز اختلافًا واسعًا، فلا يُطمأن إلى قول واحد منهم. وتُذكر هذه الأقوال للاستئناس في طريقة النظر، لا لتحديد مصير أو توقع.
والشاب يمر بمرحلة حافلة بالأسئلة، عن الدراسة والعمل والصحبة وبناء الشخصية ومكانته بين أقرانه. ومثل هذه الأسئلة تحرّك الذهن ليلًا، فتظهر في المنام صور غريبة يجتمع فيها الخوف والفضول معًا. وقد يكون للقصص المخيفة والألعاب والأفلام التي يشاهدها قبل النوم أثر مباشر في هذه الصور. وليس في الأمر دلالة على شيء خارج نفسه، وإنما هو انعكاس لما يملأ ذهنه.
وللأصدقاء والحياة الاجتماعية أثرها كذلك، فالأحاديث المتبادلة عن القصص المرعبة تنطبع في الخيال وتعود في الليل. وبعض الشباب يحب أن يتحدث عن هذه الحكايات على سبيل التسلية، ثم يفاجأ بأنها تظهر في أحلامه. وهذا أمر معروف في علم النفس العام، إذ يستعيد الدماغ ما تعرض له من مشاهد وكلمات. وفي الابتعاد عن المبالغة في هذه الحكايات ما يخفف أثرها على النوم.
وتفاصيل الحلم تفيد في فهم الشعور لا في توقع الأحداث، فهل كان المشهد قصيرًا عابرًا أم طويلًا ثقيلًا، وهل كان الرائي وحده أم بصحبة آخرين، وهل أفاق منزعجًا أم هادئًا. والمشاهد التي تزول سريعًا من الذاكرة تُقرأ على أنها تفريغ مؤقت للذهن. أما المشاهد المتكررة فقد تدل على أن هناك ما يشغل الشاب ويحتاج إلى تفكير هادئ. وهذا كله قراءة رمزية عامة لا تقطع بشيء.
ومن الناحية العملية فإن النوم المنتظم وتقليل السهر والابتعاد عن المحتوى المرعب في آخر النهار والنشاط البدني المعتدل تساعد على تهدئة الأحلام. وهذا الكلام ليس نصيحة طبية أو نفسية، وإنما إرشاد عام للعناية بالنفس. وإن استمر القلق أو اضطرب النوم وتأثرت الدراسة أو العمل فالأنسب الحديث مع مختص أو أحد أفراد الأسرة. وطلب المشورة علامة نضج وليس ضعفًا.
ويحسن بالشاب أن يملأ وقته بما ينفعه من علم وعمل ورياضة وصحبة طيبة، فكلما امتلأ اليوم بالنافع قلّ مكان الأوهام في القلب. ولا ينبغي أن يجعل الحلم ميزانًا لقراراته في شؤونه، فالقرارات تقوم على التفكير والمشورة والتوكل على الله. والأحلام تمضي كما تمضي الخواطر، ولا تبقى إلا ما يُمنح من اهتمام. وقوة الشاب الحقيقية في ثباته وهدوئه أمام المجهول. ويكفي الشاب أن يتذكر أن كثيرًا من أحلامه تنتهي بانتهاء ليلتها، وأن صفاء اليوم الجديد يمسح أثرها بسهولة إذا لم يُلحَّ على استحضارها. وفي مجالسة أهل الصلاح وأهل الخير ما يغرس في النفس ثباتًا لا تهزه الصور العابرة.
وما سبق كله اجتهاد بشري ظني، يحتمل الخطأ ولا يبلغ اليقين، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. وعلى الرائي أن يحسن الظن بربه ويدعوه بالسكينة وصلاح الحال وصفاء الذهن. وإذا مرّ الحلم فليبدأ يومه بنشاط وأمل ونية طيبة، وليترك الصورة خلفه. والله أعلم بحقيقة ما يُرى في المنام.
