الرؤيا صور رمزية تتشكل من خواطر النفس وأحوالها، وليست خبرًا عن الغد ولا قضاءً على أحد. ومن رأى الكعبة وسط ضباب فقد رأى مقصدًا معظّمًا يحيط به غموض في الرؤية. والتعبير اجتهاد ظني تتفاوت فيه الأنظار، ولا ينبغي أن يُبنى عليه قرار. وما يُذكر هنا قراءة هادئة تدور حول الوضوح والتأني. وعلى الرائي ألا يجعل من الضباب سببًا للقلق، فهو في الطبيعة ظاهرة عابرة.
الكعبة رمز الاتجاه الواحد والوحدة والأمن والحنين والثبات والمقصد. والضباب في لغة الرؤى كثيرًا ما يرمز إلى قلة الوضوح أو إلى مرحلة لم تتبين فيها الأمور تمامًا. فإذا اجتمعا، جاءت الدلالة العامة على مقصد ثابت لكن رؤيته للرائي ليست كاملة بعد. وقد تعكس الصورة رغبته في أن يتضح أمامه ما يريد وأن تنجلي الحيرة. وهذه القراءة رمزية تحتمل غيرها بحسب الشعور الذي صاحب المشهد.
وفي الجملة تبقى دلالة الضباب دلالة رمزية عامة تعبّر عن حيرة أو عدم وضوح في أمر ما. ويبقى الأهم في الحياة العمل الصالح وحسن الظن بالله والاعتدال في كل شأن. فلا يُبنى على الصورة قرار ولا يُرتّب عليها خوف أو توقع. وإن شعر الرائي بارتياح فليحمد الله عليه ثم يمضي إلى شأنه بهدوء. وتبقى المعاني المأخوذة معاني نفسية عامة تقبل الاجتهاد ولا تقبل القطع. ويبقى الحلم صورة رمزية لا يُقطع بدلالتها.
ذكر بعض المعبّرين، وفي المسألة خلاف بين أهل التعبير، أن الضباب في المنام قد يُحمل على الغموض أو الهم العابر بحسب القرائن. وذهب آخرون من المعبّرين إلى أن ما يعتري الرؤية من غشاوة في المنام يرتبط عادة بحال الرائي النفسية. ولا تُؤخذ هذه الأقوال على سبيل الجزم، فقد اختلف فيها المعبّرون. وليس فيها ما يدل على حرمان أو منع، وإنما على حال من الغموض تزول بالتأني.
أثر السياق عظيم في هذا الحلم. فإن كان الضباب خفيفًا والكعبة تظهر من خلاله بوضوح نسبي، فقد تعبّر الصورة عن وضوح يوشك أن يكتمل. وإن كان كثيفًا يحجب المشهد، فقد تعبّر عن حيرة أشد. وإن انقشع الضباب في آخر الحلم، فقد يرمز ذلك إلى انكشاف الأمور تدريجيًا. وإن بقي، فقد يعبّر عن سؤال مفتوح يحتاج إلى مزيد من التأمل. والشعور الغالب هو المرجع الأول.
يختلف المعنى بحسب حال الرائي. فمن كان في مفترق طرق في دراسته أو عمله، قد يرى في الحلم صدى لحيرته. ومن كان يمر بفترة غير واضحة المعالم، قد تعبّر الصورة عن ترقبه. ومن كان قد اعتاد التفكير الطويل، قد تدل على حاجته إلى فسحة من الهدوء. وليس لأحد منهم معنى مقرر مسبقًا، فالحلم مرآة لحاله.
وتفاصيل الحلم تضيف طبقات من المعنى. فهل كان الضباب أبيض ناعمًا أم رماديًا ثقيلًا؟ وهل كان الرائي يمشي في وسطه أم ينظر إليه من بعيد؟ وهل كانت الأصوات واضحة أم مكتومة؟ وهل ظهرت أضواء من خلاله؟ هذه التفاصيل تشير إلى أحوال النفس، فالأبيض الناعم يوحي بالهدوء، والثقيل يوحي بالضيق، والأضواء توحي بقرب الوضوح.
من الناحية العملية والنفسية، قد يكون الحلم دعوة إلى التأني قبل الحسم، وإلى جمع المعلومات من مصادر موثوقة قبل اتخاذ خطوة مهمة. ويفيد أن يكتب الإنسان ما يعرفه وما لا يعرفه عن أمر يحيّره، فكثيرًا ما يخف الغموض بهذا الفرز. ولا يُفهم من الصورة وعد بشيء أو تنبؤ به. وتذكير مهم: الحلم ليس نصيحة طبية ولا نفسية، فإن استمر القلق أو التشتت فمن المناسب الحديث مع مختص أو أحد الأهل الموثوقين.
وقد ورد في الحديث الصحيح أن الرؤيا الصالحة من الله والحلم من الشيطان (متفق عليه)، وأن من رأى ما يكره فليستعذ بالله من شرها ولا يحدّث بها أحدًا فإنها لن تضره (متفق عليه بمعناه). وفي هذا تخفيف عن النفس وردٌّ للأمر إلى الله. والوضوح في الحياة يأتي غالبًا بالتدرج، فيبدأ الإنسان بما يعرفه ويمضي خطوة خطوة. وفي الاستشارة الصادقة وقراءة الأمور بهدوء ما يخفف الغشاوة، ويجعل القلب أكثر سكينة وأقدر على الاختيار. وقد يكون من الجميل أن يتذكر الرائي أن الضباب لا يغيّر مكان الكعبة ولا حقيقتها، وإنما يحجب الرؤية قليلًا إلى أن تتبدل الحال، وأن الصبر والتأني كفيلان بإظهار كثير مما يخفى. ومن عرف مقصده في قلبه لم يضره غموض الطريق كثيرًا.
وبعد هذا كله فالتعبير اجتهاد بشري ظني، يحتمل الصواب والخطأ ولا يبلغ اليقين. ويحسن بالرائي أن يدعو الله بالبصيرة والتوفيق، وأن يحسن الظن بربه في كل أمر. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا يُجزم بشيء مما سيكون. والله أعلم بالصواب.
