الرؤيا صور رمزية تنسجها النفس من خواطرها وأحوالها، وليست خبرًا عن الغد ولا قضاءً على أحد. ومن رأى الكعبة وسط مطر فقد رأى مشهدًا يجمع بين رمز المقصد ورمز الرحمة والصفاء. والتعبير اجتهاد ظني تتفاوت فيه الأنظار، ولا يُبنى عليه قرار. وما يُذكر هنا قراءة هادئة عامة تدور حول معاني السكينة والتجدد. وعلى الرائي أن يستقبلها بطمأنينة، فالمطر في الرموز العامة من الصور الحسنة في الغالب.
الكعبة رمز الاتجاه الواحد والوحدة والأمن والحنين والثبات والمقصد. والمطر في لغة الرؤى كثيرًا ما يرمز إلى الرحمة والتجدد وغسل الهموم، وقد يرمز إلى تدفق المشاعر الهادئة. فإذا اجتمعا، جاءت الدلالة العامة على مقصد ثابت يحيط به إحساس بالصفاء والتجدد. وقد تعكس الصورة رغبة الرائي في أن يستريح قلبه وأن تتجدد نفسه بعد تعب. وهذه قراءة رمزية تحتمل غيرها بحسب شدة المطر وهدوئه.
قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ (سورة الشورى، الآية 28). وفي الآية ذكر للغيث ونشر الرحمة، وهو معنى قريب من رمزية المطر في الرؤى. وليست الآية تفسيرًا لحلم محدد ولا تنزيلًا عليه، وإنما هي مناسبة للتأمل في نعمة المطر. وفي هذا ما يذكّر بقيمة الرجاء وحسن الظن بالله في كل حال. ويبقى الحلم صورة رمزية لا تُقاس بها الأعمال.
ذكر بعض المعبّرين، وفي المسألة خلاف بين أهل التعبير، أن المطر في المنام يُحمل في الجملة على الرحمة والخير إذا كان هادئًا نافعًا، وعلى الضيق إذا كان شديدًا ضارًا بحسب القرائن. وذهب آخرون من المعبّرين إلى أن حال المطر وأثره هو الذي يرجّح المعنى. ولا تُؤخذ هذه الأقوال على سبيل الجزم، فقد اختلف فيها المعبّرون. وهي إشارات عامة لا تدل على حدث قادم.
أثر السياق عظيم في هذا الحلم. فإن كان المطر خفيفًا هادئًا والقلب مطمئنًا، فالصورة أقرب إلى معنى الرحمة والتجدد. وإن كان غزيرًا مزعجًا، فقد تعبّر عن مشاعر مضطربة أو أيام كثيرة الانشغال. وإن كان الناس يطوفون ويبتسمون تحت المطر، فقد يرمز ذلك إلى الألفة والانسجام. وإن كان الرائي يحتمي منه، فقد يعبّر عن رغبة في الستر والهدوء.
يختلف المعنى بحسب حال الرائي. فمن كان يمر بفترة جفاف في مشاعره أو نشاطه، قد تعبّر الصورة عن شوقه إلى التجدد. ومن كان في مرحلة صفاء، قد تعبّر عن امتنانه. ومن كان مرهقًا، قد ترمز إلى حاجته إلى راحة تغسل التعب. وليس لأحد منهم معنى مقرر سلفًا، فالمعنى يتشكل من حياة صاحبه.
وتفاصيل الحلم تضيف طبقات من المعنى. فهل كان المطر مصحوبًا برعد وبرق أم هادئًا؟ وهل كانت الأرض تتلألأ بالماء؟ وهل كان الرائي يشعر بالبرد أم بالدفء؟ وهل كان الهواء عليلًا؟ هذه التفاصيل تشير إلى أحوال النفس، فالهدوء يوحي بالسكينة، والبرد قد يوحي بحاجة إلى الأنس، والأرض المتلألئة توحي بتجدد الأمل.
من الناحية العملية والنفسية، قد يكون الحلم دعوة إلى منح النفس وقتًا للتجدد: نزهة هادئة، وجلسة مع من يحب، وقراءة تُدخل السرور. ويفيد أن يدوّن الإنسان ما يدخل الطمأنينة إلى قلبه ليكرره في أيامه. ولا يُفهم من الصورة وعد بشيء أو تنبؤ به. وتذكير مهم: الحلم ليس نصيحة طبية ولا نفسية، فإن استمر القلق أو الحزن فمن المناسب الحديث مع مختص أو أحد الأهل.
وقد ورد في الحديث الصحيح أن الرؤيا الصالحة من الله والحلم من الشيطان (متفق عليه)، وأن من رأى ما يحب فلا يحدّث به إلا من يحب (متفق عليه بمعناه). وفي هذا أدب يحفظ للإنسان سكينته. والمطر في الحياة نعمة تُشكر، وتذكّر بأن الخير يأتي في أوقاته بهدوء. وفي التأمل في هذه النعمة ما يرقق القلب ويزيد حسن الظن، ويجعل الإنسان أقدر على الصبر وأرحب صدرًا. ومن لطائف هذه الصورة أن المطر لا يطلب من الأرض شيئًا قبل أن يسقيها، فهو يعلّم الإنسان معنى العطاء الهادئ بلا ضجيج. وقد يتأمل الرائي من أين يستمد قلبه الرحمة في يومه، وكيف يمكنه أن ينشرها في بيته وعمله بكلمة طيبة أو معاونة صغيرة أو ابتسامة صادقة، فهذه الأعمال اللطيفة هي ما يبقى أثره في النفس.
وبعد هذا كله فالتعبير اجتهاد بشري ظني، يحتمل الصواب والخطأ ولا يبلغ اليقين. ويحسن بالرائي أن يدعو الله بالرحمة والتوفيق، وأن يحسن الظن بربه. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا يُجزم بشيء مما سيكون. والله أعلم بالصواب.
