الرؤيا صور رمزية تتشكل من خواطر النفس ومشاعرها، وليست خبرًا عن المستقبل. ومن رأى الكعبة بين الجبال فقد رأى مشهدًا يجمع بين رمز المقصد ورمز الثبات والصلابة. والتعبير اجتهاد ظني تتفاوت فيه الأنظار، ولا ينبغي أن يُبنى عليه قرار. وما يُذكر هنا قراءة عامة تدور حول المهابة والاستقرار. والرائي أعلم بحاله من أي شارح، فليأخذ منه ما يهدّئ قلبه.
الكعبة رمز الاتجاه الواحد والوحدة والأمن والحنين والثبات والمقصد. والجبال في الرموز العامة ترمز إلى الرسوخ والثبات والهيبة، وقد تدل أحيانًا على الأعباء الكبيرة التي يحملها الإنسان. فإذا اجتمعت الكعبة والجبال، جاءت الصورة معبّرة عن مقصد ثابت يحيط به رسوخ وهيبة. وقد تعكس رغبة الرائي في سند قوي يحتمي به من اضطراب الأيام. وهذه القراءة تبقى احتمالًا مفتوحًا لغيرها بحسب تفاصيل المشهد.
قال الله تعالى: ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ (سورة النبأ، الآية 7). وفي الآية تصوير للجبال وكأنها أوتاد تثبّت الأرض، وهو معنى قريب من رمزية الثبات. وليست الآية تفسيرًا لحلم محدد ولا تنزيلًا عليه، وإنما هي مناسبة للتأمل في صورة الجبال في القرآن. وفي هذا ما يذكّر بقيمة الرسوخ في حياة الإنسان. ويبقى الحلم صورة رمزية لا يُقطع بدلالتها.
ذكر بعض المعبّرين، وفي المسألة خلاف بين أهل التعبير، أن الجبل في المنام قد يُحمل على الرجل العظيم أو على الثبات أو على الهمّ الثقيل بحسب القرائن. وذهب آخرون من المعبّرين إلى أن رؤية الأماكن المعظمة في مواضع مرتفعة تُحمل في الجملة على علو المعاني. ولا تُؤخذ هذه الأقوال على سبيل الجزم، فقد تعددت فيها الآراء. وهي إشارات عامة لا تدل على حدث قادم.
أثر السياق عظيم في هذا الحلم. فإن كانت الجبال تحيط بالكعبة إحاطة حانية آمنة، فالصورة أقرب إلى معنى الحماية والسكينة. وإن كانت شاهقة ثقيلة تُشعر الرائي بالضآلة، فقد تعبّر عن إحساس بكبر الأعباء أو عظم الأمر. وإن كانت الجبال خضراء أو مغطاة بالثلج، فقد توحي بالهدوء والصفاء. ويبقى الشعور الغالب هو المرجع الأول في التقدير.
يختلف المعنى بحسب حال الرائي. فمن كان يحمل مسؤوليات كبيرة، قد يعكس الحلم رغبته في سند يحميه. ومن كان في مرحلة هدوء، قد تعبّر الصورة عن رسوخ ما يؤمن به. ومن كان يشعر بعظم ما أمامه من مهام، قد تعبّر الجبال عن ثقل تلك الأعباء. وليس لأحد منهم معنى مقرر مسبقًا، فالحلم مرآة لحاله.
وتفاصيل الحلم تضيف طبقات من المعنى. فهل كانت الجبال قريبة أم بعيدة؟ وهل كان الرائي ينظر إليها من الأسفل أم من الأعلى؟ وهل كان الجو صافيًا أم ملبّدًا بالغيوم؟ وهل كان المكان هادئًا أم مزدحمًا؟ هذه التفاصيل تشير إلى أحوال النفس، فالنظر من الأسفل قد يوحي بالمهابة، والنظر من الأعلى قد يوحي بالسيطرة على الأمور، والصفاء يوحي بالطمأنينة.
من الناحية العملية والنفسية، قد يكون الحلم دعوة إلى البحث عن أسباب الثبات في الحياة: علاقات داعمة، وعادات منتظمة، ووقت للتأمل والذكر. ويفيد أن يقسّم الإنسان الأعباء الكبيرة إلى خطوات صغيرة كما تُقطع الجبال درجة بعد درجة. ولا يُفهم من الصورة وعد بشيء أو تنبؤ به. وتذكير مهم: الحلم ليس نصيحة طبية ولا نفسية، فإن استمر الشعور بالثقل أو القلق فمن المناسب الحديث مع مختص أو أحد الأهل.
وقد ورد في الحديث الصحيح أن الرؤيا الصالحة من الله والحلم من الشيطان (متفق عليه)، وأن من رأى ما يحب فلا يحدّث به إلا من يحب (متفق عليه بمعناه). وفي هذا أدب يحفظ للإنسان سكينته. والثبات الذي ترمز إليه الجبال يُطلب في اليقظة بالصبر وإتقان العمل وحسن الصحبة. وكل خطوة صغيرة ثابتة خير من اندفاع عابر يتبدد سريعًا. ومن المفيد أن يتذكر الإنسان أن الجبل نفسه يتكون من حصى صغيرة تراكمت عبر الزمن، وأن الثبات في الأخلاق والعمل يتكون بالطريقة ذاتها: صدق صغير كل يوم، وصبر على ما يثقل، وحسن ظن بالله في كل طريق. وإذا أحاطت بالرائي الهموم فليتذكر أن السند الحقيقي يبدأ بقلب مطمئن وصلة طيبة بالأهل والأصدقاء.
وبعد هذا كله فالتعبير اجتهاد بشري ظني، يحتمل الصواب والخطأ ولا يبلغ اليقين. ويحسن بالرائي أن يدعو الله بالثبات والتوفيق، وأن يحسن الظن بربه. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا يُجزم بشيء مما سيكون. والله أعلم بالصواب.
