قد يرى الإنسان في منامه أن الكعبة تظهر أمامه فجأة، دون مقدمات ودون أن يعرف كيف جاءت، فيستيقظ وفي نفسه دهشة وهيبة. والرؤيا في أصلها صور تنسجها النفس من خواطرها وأشواقها، وليست خبرًا عن غيب. وما يلي قراءة رمزية عامة لا تقول شيئًا عن أمر قادم ولا عن مغزى مخبوء، وإنما تتأمل معنى الظهور المفاجئ للصورة بهدوء، وتحمله على أرحم تأويل ممكن.
الكعبة رمز الاتجاه الواحد الذي تتجه إليه القلوب، ورمز الثبات والأمن والسكينة. والظهور المفاجئ في الحلم يعبّر رمزيًا عن حضور المعنى الكبير في القلب دون استعداد، كما يخطر على النفس خاطر عميق في وسط الانشغال. وقد يدل الشعور بالمفاجأة على أن ما في النفس من أشواق وسكينة أقرب إلى السطح مما يظن صاحبها. وهذا تأمل رمزي فقط، لا يقتضي شيئًا في الواقع.
وقد ورد في الحديث الصحيح بمعناه أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة (متفق عليه). وإيراد هذا الحديث هنا للتوثيق العام في شأن الرؤى، وليس قولًا في هذا الحلم ولا تصنيفًا له ولا ادعاءً بأنه رؤيا من نوع محدد. فالحديث يذكّر بمكانة الرؤيا الصالحة في الجملة، وأما تعيين ما هو صالح منها وما هو من حديث النفس فباب لا يجزم فيه أحد بشيء.
جاء في كتب التعبير المتداولة أن البيت المعظَّم يُحمل في المنام على معنى الأمر الجامع الذي يقصده الناس. وذهب آخرون من المعبّرين إلى حمل الصورة على معاني الثبات والقصد الحسن. وتختلف العبارات والنسبة بين الكتب، فلا يُجزم بلفظ محدد، ولا يوجد قول معتمد في الظهور المفاجئ تحديدًا. فالأولى أن تُعدّ هذه الأقوال إشارات عامة تُقرأ بحذر، لا نتائج يقينية.
ولسياق الرائي أثر في فهم الظهور المفاجئ، فمن كان مشغولًا بأعباء يومه قد تأتيه الصورة كأنها استراحة تقطع الانشغال. ومن كان يفكر كثيرًا في معنى كبير قد تبرز له الصورة في منامه دون استئذان. ومن كان قلبه مثقلًا قد تظهر له الصورة المهيبة كأنها سكينة غير متوقعة. وهذا تأمل رمزي فقط، ولا يتضمن قولًا في سبب الظهور ولا في غايته، فالأحلام تأتي على غير ترتيب كثيرًا.
وتتنوع الدلالة بحسب حال الرائي. فمن كان هادئ الطبع قد يرى فيها امتدادًا لسكينته. ومن كان قلقًا قد يرى فيها هدوءًا مفاجئًا يريح نفسه. ومن كان غافلًا عن الذكر قد يرى فيها حنينًا إلى الصفاء. ولا ينبغي أن يُفهم من ذلك لوم أو تقييم لحال أحد، فالحال النفسي هو الذي يمنح الصورة معناها، وليست الصورة هي التي تحدد حال صاحبها أو تحكي عنه.
وللتفاصيل مكانها: هل كان الظهور هادئًا أم مصحوبًا بإضاءة أو صوت، وهل أحس الرائي بالسكينة أم بالارتباك، وهل بقيت الصورة ثابتة أم تلاشت سريعًا. فالهدوء يميل إلى معنى السكينة، والارتباك يميل إلى أثر المفاجأة في النفس، وسرعة التلاشي شأن كثير من الأحلام لا يدل على شيء محدد. وكلها قراءات نفسية رمزية محتملة، لا وعود فيها ولا إنذارات.
ومن الناحية العملية والنفسية، يحسن لمن ظهرت له الصورة فجأة أن يستقبلها بالهدوء، فيشكر الله على السكينة التي مرت بقلبه، ثم يعود إلى يومه بخطوات معتادة. ويحسن أن يحافظ على نومه وراحته، وألا يتتبع تفاصيل الحلم بإلحاح. والحلم ليس نصيحة طبية ولا نفسية. وإن كانت المفاجأة أو الارتباك مستمرين فالأفضل أن يتحدث مع مختص أو مع أحد أهله الثقات، فالحديث الصادق يخفف الكثير من العبء.
ومما يحسن الانتباه إليه أن الظهور المفاجئ في الأحلام أمر شائع جدًا، فالحلم لا يتبع ترتيب اليقظة، وتنتقل المشاهد فيه بسرعة وبلا مقدمات. ولذلك لا ينبغي أن يُجعل لهذا الأسلوب دلالة خاصة تفوق ما يحتمله الرمز. والأجمل أن يأخذ الرائي من الصورة هيبتها وسكينتها ثم يمضي. وليكن حسن الظن بالله رفيقه، فهو سبحانه أرحم بعباده، والدعاء بالطمأنينة باب مفتوح في كل وقت، وفي ذكره ما يهدئ الخاطر ويصفي النفس من ثقل الأيام. وليتذكر الرائي أن اليقظة أولى بعنايته من تفاصيل المنام، وأن ما يمنحه الحلم من هيبة وسكينة يكفي أن يُشكر ويُترك، ثم يعود صاحبه إلى صلاته وعمله وأهله بقلب أهدأ، فهذا أنفع له من كثرة السؤال عن سبب الظهور وتوقيته.
وتفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يعلم الغيب إلا الله. فلا يُبنى على هذا الكلام قرار ولا يُنتظر منه خبر. والمطلوب دعاء الله بالسكينة وصلاح الحال، وحسن الظن به سبحانه. وما كان في الحلم من معنى حسن فالحمد لله عليه، والله أعلم.
