الرؤيا صور رمزية تتشكل من خواطر النفس وأحوالها، وليست خبرًا عن الغد ولا قضاءً على أحد. ومن رأى الكعبة وقت الغروب فقد رأى مشهدًا يجمع بين رمز المقصد وصورة نهاية النهار. والتعبير اجتهاد ظني تتفاوت فيه الأنظار، ولا يُبنى عليه قرار. وما يُذكر هنا قراءة هادئة تدور حول معاني الختام والسكينة والرجوع. وعلى الرائي أن يستقبلها بطمأنينة، فالغروب في الطبيعة وقت جميل من أوقات اليوم.
الكعبة رمز الاتجاه الواحد والوحدة والأمن والحنين والثبات والمقصد. والغروب في لغة الرؤى كثيرًا ما يرمز إلى ختام مرحلة أو إلى هدوء بعد صخب النهار وحاجة إلى الرجوع إلى المركز. فإذا اجتمعا، جاءت الدلالة العامة على مقصد ثابت يُستحضر عند نهاية السعي اليومي. وقد تعكس الصورة رغبة الرائي في أن يختم أيامه على سكينة وصفاء. وهذه قراءة رمزية تحتمل غيرها بحسب ألوان المشهد وشعور الرائي.
قال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ (سورة طه، الآية 130). وفي الآية ذكر لأوقات اليوم وللصبر والتسبيح، وهي مناسبة للتأمل في قيمة الهدوء عند طرفي النهار. وليست الآية تفسيرًا لحلم محدد ولا تنزيلًا عليه، وإنما هي تذكير عام. وفي هذا ما يذكّر بقيمة أن يكون للإنسان وقت للسكينة كل يوم. ويبقى الحلم صورة رمزية لا تُقاس بها الأعمال.
ذكر بعض المعبّرين، وفي المسألة خلاف بين أهل التعبير، أن الغروب في المنام قد يُحمل على ختام أمر أو انقضاء مرحلة بحسب القرائن. وذهب آخرون من المعبّرين إلى أن للأوقات في المنام دلالات تتصل بحال الرائي أكثر مما تتصل بالزمن نفسه. ولا تُؤخذ هذه الأقوال على سبيل الجزم، فقد اختلف فيها المعبّرون. وهي إشارات عامة لا تدل على نهاية شيء ولا على حدث قادم.
أثر السياق عظيم في هذا الحلم. فإن كان الغروب دافئًا بألوانه الذهبية والقلب مطمئنًا، فالصورة أقرب إلى معنى السكينة والرضا بما مضى. وإن كان مصحوبًا بحزن أو ضيق، فقد تعبّر عن مشاعر وداع لأمر مضى أو عن تعب آخر اليوم. وإن كانت الكعبة مضيئة عند الغروب، فقد يرمز ذلك إلى ثبات المقصد حتى حين يخفت ضوء النهار. وإن اشتد الظلام سريعًا، فقد يعبّر عن شعور بسرعة مرور الأيام.
يختلف المعنى بحسب حال الرائي. فمن كان قد أنهى عملًا أو دراسة، قد تعبّر الصورة عن شعوره بنهاية مرحلة. ومن كان يتأمل أيامه الماضية، قد تعبّر عن حنين إلى ما مضى. ومن كان في آخر يوم متعب، قد ترمز إلى حاجته إلى الراحة والرجوع إلى نفسه. وليس لأحد منهم معنى مقرر سلفًا، فالحلم مرآة لحاله.
وتفاصيل الحلم تضيف طبقات من المعنى. فهل كانت الشمس ظاهرة على الأفق أم محجوبة بالغيم؟ وهل كان الطائفون يتحركون ببطء أم بسرعة؟ وهل كان الهواء ساكنًا أم متحركًا؟ وهل ارتفع صوت قريب يشبه النداء؟ هذه التفاصيل تشير إلى أحوال النفس، فظهور الشمس يوحي بالوضوح، والغيم يوحي بالتردد، والهواء الساكن يوحي بالراحة.
من الناحية العملية والنفسية، قد يكون الحلم دعوة إلى أن يجعل الإنسان لآخر يومه طقسًا هادئًا: مراجعة لطيفة لما مضى، ودعاء، وترتيب لما سيأتي، وإطفاء للشاشات. ويفيد ألا يختم اليوم بجلد للنفس، فالرفق بالنفس يساعد على نوم هادئ. ولا يُفهم من الصورة وعد بشيء أو تنبؤ به. وتذكير مهم: الحلم ليس نصيحة طبية ولا نفسية، فإن استمر القلق أو الأرق فمن المناسب الحديث مع مختص أو أحد الأهل.
وقد ورد في الحديث الصحيح أن الرؤيا الصالحة من الله والحلم من الشيطان (متفق عليه)، وأن من رأى ما يكره فليستعذ بالله من شرها ولا يحدّث بها أحدًا فإنها لن تضره (متفق عليه بمعناه). وفي هذا تخفيف عن النفس وردٌّ للأمر إلى الله. وختام اليوم فرصة طيبة لشكر ما كان وطلب التوفيق لما يأتي. وفي الدعاء الهادئ آخر اليوم ما يمنح القلب سكينة ويصل الإنسان بمقصده الثابت. وقد يتذكر الرائي أن الغروب ليس نهاية للضوء بقدر ما هو انتقال إلى وقت آخر من اليوم له جماله وسكونه، وأن الحياة كلها مراحل تتعاقب بلا قسوة إذا أحسن الإنسان استقبالها. ومن جعل لقلبه مركزًا ثابتًا تهون عليه تقلبات الأوقات.
وبعد هذا كله فالتعبير اجتهاد بشري ظني، يحتمل الصواب والخطأ ولا يبلغ اليقين. ويحسن بالرائي أن يدعو الله بالتوفيق وحسن الختام في أموره، وأن يحسن الظن بربه. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا يُجزم بشيء مما سيكون. والله أعلم بالصواب.
