قد يرى الإنسان صورة الكعبة في آخر منامه قبيل الاستيقاظ، فيستيقظ والصورة ما تزال حاضرة في ذهنه وفي نفسه هيبة وسكينة. والرؤيا في أصلها صور تنسجها النفس من خواطرها وأشواقها، والصور الأخيرة قبل الاستيقاظ أوضح في الذاكرة وأقرب إلى اليقظة. وما يلي قراءة رمزية عامة لا تقول شيئًا عن أمر قادم ولا عن سبب خفي، وإنما تتأمل معنى الصورة بهدوء يناسب مهابتها.
الكعبة رمز الاتجاه الواحد الذي تتجه إليه القلوب، ورمز الثبات والأمن والسكينة. ووقوع الصورة في آخر النوم يجعلها أقرب إلى بداية اليوم، فكأن القلب يقف عند معنى ثابت قبل أن ينتقل إلى مشاغل النهار. وقد يعبّر ذلك رمزيًا عن حاجة النفس إلى انطلاق مطمئن، أو عن الأنس بصورة تلازم الإنسان وقت الانتقال من النوم إلى اليقظة. وهذا تأمل رمزي فقط، لا يقتضي شيئًا في الواقع.
وليس في هذا الموضع نص من القرآن أو السنة يناسب توقيت الرؤيا مناسبة مباشرة، ولذلك يُكتفى بصياغة عامة، فالدقة أهم من الكثرة. ويُذكَّر فقط بأنه ورد في الحديث الصحيح بمعناه أن من رأى رؤيا يحبها فإنها من الله فليحمد الله عليها (رواه البخاري)، وأن ذلك للتوثيق العام في شأن الرؤى وليس تصنيفًا لهذا الحلم، ولا يُفهم منه أن لتوقيت الرؤيا قبل الاستيقاظ دلالة خاصة. وفي ذلك ما يذكّر بالشكر على الصور الطيبة وعدم تحميلها فوق ما تحتمل.
جاء في كتب التعبير المتداولة أن البيت المعظَّم يُحمل في المنام على معنى الأمر الجامع الذي يقصده الناس. وذهب آخرون من المعبّرين إلى حمل الصورة على معاني الثبات والقصد الحسن. وتتباين العبارات وتختلف النسبة بين الكتب، فلا يُجزم بلفظ محدد، ولا يوجد قول معتمد يقرر قيمة الصورة بحسب وقتها من النوم. فالأولى أن تُعدّ هذه الأقوال إشارات عامة تُقرأ بحذر، لا نتائج يقينية.
ولسياق الرائي أثر في فهم الصورة، فالأحلام في الجزء الأخير من النوم أطول وأكثر وضوحًا في العادة، ويتذكرها الإنسان أكثر من غيرها لأنها أقرب إلى الاستيقاظ. ومن كان يحمل في قلبه شوقًا قد تبرز له الصورة عند الفجر. ومن كان مرهقًا قد تتخذ نفسه من الصورة المهيبة خاتمة هادئة لنومه. وهذا تأمل رمزي فقط، ولا يتضمن قولًا في مستقبل ولا في حال، فالذاكرة تحفظ الأحلام الأخيرة أكثر من سواها.
وتتنوع الدلالة بحسب حال الرائي. فمن كان هادئ الطبع قد يرى في ذلك امتدادًا لسكينته. ومن كان قلقًا من يومه المقبل قد يرى فيه حاجته إلى طمأنة قبل أن يبدأ. ومن كان نشيطًا قد يرى فيه صورة طيبة يبدأ بها يومه. ولا ينبغي أن يُحمَّل التوقيت دلالة على أمر قادم، فالحال النفسي هو الذي يمنح الصورة معناها، وليست الصورة هي التي تحدد حاله أو تخبر بما سيكون.
وللتفاصيل مكانها في القراءة: هل كانت الصورة واضحة عند الاستيقاظ أم تلاشت سريعًا، وهل بقي أثرها في النفس أم زال، وهل استيقظ الرائي بهدوء أم بفزع. فالوضوح يميل إلى معنى حضور الصورة في الذهن، والتلاشي السريع شأن كثير من الأحلام لا يدل على شيء، وهدوء الاستيقاظ يميل إلى معنى السكينة. وكلها قراءات نفسية رمزية محتملة، لا وعود فيها ولا إنذارات، ولا يُبنى عليها شيء في أمر الواقع.
ومن الناحية العملية والنفسية، يحسن لمن رأى هذه الصورة أن يستقبل يومه بالذكر والدعاء والهدوء، وألا يبدأه بالانشغال بتفاصيل الحلم، وأن يحافظ على نومه وراحته. والحلم ليس نصيحة طبية ولا نفسية. وإن كان الاستيقاظ مصحوبًا بقلق مستمر أو أرق متكرر فالأفضل أن يتحدث مع مختص أو مع أحد أهله الثقات، فالحديث الصادق يخفف الكثير من العبء ويعيد إلى النفس نظرتها المتزنة لما تمر به.
ومما يحسن الانتباه إليه أن الأحلام قبيل الاستيقاظ كثيرًا ما تتأثر بالأصوات والضوء والحركة حول النائم، وقد تمتزج بصور اليقظة الأولى. ولذلك لا ينبغي أن يُجعل لهذا التوقيت أهمية تفوق ما يحتمله. والأجمل أن يأخذ الرائي من الصورة سكينتها ثم يبدأ يومه بخطوات هادئة. وليكن حسن الظن بالله رفيقه، وليكن دعاؤه بالسكينة والتوفيق زاده في كل وقت، فبداية اليوم بالذكر تُهدّئ النفس أكثر من الانشغال بتفاصيل المنام، وتفتح للإنسان يومًا مطمئنًا.
وتفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يعلم الغيب إلا الله. فلا يُبنى على هذا الكلام قرار ولا يُنتظر منه خبر. والمطلوب دعاء الله بالتوفيق والسداد وصلاح الحال، وحسن الظن به سبحانه. وما كان في الحلم من معنى حسن فالحمد لله عليه، والله أعلم.
