الرؤيا صور رمزية تتشكل من خواطر النفس وأحوالها، وليست خبرًا عن الغد ولا قضاءً على أحد. ومن رأى الكعبة قريبة منه في منامه فقد رأى مقصدًا ثابتًا في صورة قرب وأنس. والتعبير اجتهاد ظني تتفاوت فيه الأنظار، ولا يُبنى عليه قرار في الحياة. وما يُذكر هنا قراءة هادئة حول معاني القرب والأنس والاتجاه الواحد، لا حول مكان ولا سفر. وعلى الرائي أن يستقبلها بطمأنينة، فالقرب في المنام كثيرًا ما يكون قربًا في الشعور.
الكعبة رمز الاتجاه الواحد والوحدة والأمن والحنين والثبات والمقصد. والقرب في لغة الرؤى قد يرمز إلى حضور المعنى في القلب وإلى ألفة النفس بما تحب، وقد يرمز كذلك إلى سهولة الوصول إلى ما كان يبدو بعيدًا في الخاطر. فإذا اجتمعا، جاءت الدلالة العامة على مقصد قريب من الوعي مألوف للنفس. وقد تعكس الصورة سكينة داخلية أو شعورًا بأن البوصلة واضحة. وهذه قراءة رمزية تحتمل غيرها بحسب ألوان المشهد وشعور الرائي.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ (سورة البقرة، الآية 186). وفي الآية بيان لقرب الله من عباده، وهو قرب معنوي أوسع من كل قرب مكاني. وليست الآية تفسيرًا لحلم محدد ولا تنزيلًا عليه، وإنما هي تذكير عام بمعنى القرب. وفي هذا ما يذكّر بأن قرب القلب من ربه لا يرتبط بمسافة ولا بمكان. ويبقى الحلم صورة رمزية لا تُقاس بها الأعمال.
ذكر بعض المعبّرين، وفي المسألة خلاف بين أهل التعبير، أن القرب من الشيء في المنام قد يُحمل على الألفة معه أو على قرب الأمر من الرائي في فكره بحسب القرائن. وذهب آخرون من المعبّرين إلى أن المسافات في الرؤى تتصل بحال القلب أكثر من اتصالها بالأمكنة. ولا تُؤخذ هذه الأقوال على سبيل الجزم، فقد اختلف فيها المعبّرون. وهي إشارات عامة لا تدل على حدث قادم ولا على رحلة.
أثر السياق عظيم في هذا الحلم. فإن كانت الكعبة قريبة والجو هادئًا والقلب مطمئنًا، فالصورة أقرب إلى معنى الأنس والسكينة. وإن كانت قريبة لكن الرائي متردد في الاقتراب، فقد تعبّر عن مشاعر تهيّب أو حياء. وإن كانت قريبة جدًا حتى ملأت المشهد، فقد ترمز إلى حضور المعنى في كل تفاصيل الخاطر. وإن صاحب القرب دمع أو رقة، فقد يعبّر عن رقة القلب وحنينه.
يختلف المعنى بحسب حال الرائي. فمن كان قد غاب عن مألوفه زمنًا، قد تعبّر الصورة عن شعوره بالعودة إلى ما يألف. ومن كان مثقلًا بهموم الأيام، قد ترمز إلى حاجته إلى مرفأ قريب يهدأ عنده. ومن كان في فترة صفاء، قد تعبّر عن استقرار قلبه. وليس لأحد منهم معنى مقرر سلفًا، فالحلم مرآة لحاله.
وتفاصيل الحلم تضيف طبقات من المعنى. فهل كانت الكعبة على بعد خطوات أم على مرمى النظر؟ وهل كان الطريق إليها واضحًا أم مزدحمًا؟ وهل كان الرائي وحده أم مع غيره؟ وهل شعر برغبة في الكلام أم في الصمت؟ هذه التفاصيل تشير إلى أحوال النفس، فالطريق الواضح يوحي بالاطمئنان، والازدحام يوحي بكثرة الشواغل، والصمت يوحي بالتأمل.
من الناحية العملية والنفسية، قد يكون الحلم دعوة إلى أن يقرّب الإنسان إلى نفسه ما يسكّنها: ذكرًا ودعاءً وجلسة هادئة مع من يحب. ويفيد أن يتذكر أن القرب المعنوي متاح له في أي مكان، وأن القلب يستطيع أن يتجه إلى مقصده مهما كانت ظروفه. ولا يُفهم من الصورة وعد بشيء أو تنبؤ به، ولا إشارة إلى رحلة. وتذكير مهم: الحلم ليس نصيحة طبية ولا نفسية، فإن استمر القلق أو الأرق فمن المناسب الحديث مع مختص أو أحد الأهل.
وقد ورد في الحديث الصحيح أن الرؤيا الصالحة من الله والحلم من الشيطان (متفق عليه)، وأن الإنسان إذا رأى الرؤيا يحبها فلا يحدّث بها إلا من يحب (متفق عليه بمعناه). وفي هذا أدب جميل في التعامل مع الرؤى. والقرب في الحلم نعمة شعور قبل أن يكون حدثًا، فمن اطمأن قلبه فقد وجد قربًا لا تحده المسافات. ومن أكثر من ذكر ربه وجد في يومه مواضع كثيرة يهدأ عندها. وكل خطوة صغيرة نحو الهدوء تقرّب القلب من مقصده أكثر مما يقربه الانتظار الطويل. وفي الحلم دعوة لطيفة إلى أن يلتفت الإنسان إلى ما هو قريب منه من نعم وأحبة، وأن يشكر ما بين يديه قبل أن يتطلع إلى ما بعد.
وبعد هذا كله فالتعبير اجتهاد بشري ظني، يحتمل الصواب والخطأ ولا يبلغ اليقين. ويحسن بالرائي أن يدعو الله بالتوفيق وطمأنينة القلب، وأن يحسن الظن بربه. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا يُجزم بشيء مما سيكون. والله أعلم بالصواب.
