الرؤيا صور رمزية تتألف من خواطر النفس وهمومها وآمالها، وليست خبرًا عن الغد ولا قضاءً على أحد. ومن رأى الكعبة مرتفعة في منامه فقد رأى مقصدًا ثابتًا في صورة علو وسموّ. والتعبير اجتهاد ظني تتفاوت فيه الأنظار، ولا يُبنى عليه قرار في الحياة. وما يُذكر هنا قراءة هادئة حول معاني العلو والتطلع والاتجاه الواحد. وعلى الرائي أن يستقبلها بطمأنينة، فالارتفاع في المنام كثيرًا ما يكون صورة لحال النفس لا لحال الدنيا.
الكعبة رمز الاتجاه الواحد والوحدة والأمن والحنين والثبات والمقصد. والارتفاع في لغة الرؤى قد يرمز إلى علو الهمة وسموّ المعنى في القلب، وقد يرمز كذلك إلى شعور بأن الشيء بعيد المنال يحتاج إلى تطلع طويل. فإذا اجتمعا، جاءت الدلالة العامة على مقصد يُرفع في النفس مكانه وتُعظَّم قيمته. وقد تعكس الصورة شوقًا هادئًا إلى معنى كبير أو رغبة في أن يكون للإنسان مركز ثابت يتطلع إليه. وهذه قراءة رمزية تحتمل غيرها بحسب ألوان المشهد وشعور الرائي.
وفي الجملة تبقى دلالة صورة الارتفاع دلالة رمزية عامة تعبّر عن شعور بالمهابة والتعظيم. فلا يُبنى على الصورة قرار ولا يُرتّب عليها خوف أو توقع. وإن شعر الرائي بارتياح فليحمد الله عليه ثم يمضي إلى شأنه بهدوء. وتبقى المعاني المأخوذة معاني نفسية عامة تقبل الاجتهاد ولا تقبل القطع. وهذه كلها قراءات عامة تتسع لأكثر من وجه، ولا تقوم دليلا على أمر بعينه. فالأحلام في الغالب تتأثر بما يمر بالإنسان في يقظته من مشاعر وخواطر وصور. ويبقى الحلم صورة رمزية لا تُقاس بها الأعمال.
ذكر بعض المعبّرين، وفي المسألة خلاف بين أهل التعبير، أن العلو في المنام قد يُحمل على الشرف أو على الهمة أو على البعد بحسب القرائن، وأن المرتفع يدل على ما يُتطلع إليه. وذهب آخرون من المعبّرين إلى أن أحوال المرتفعات في الرؤى تتصل بما يعلّقه الرائي من آمال على الأمر. ولا تُؤخذ هذه الأقوال على سبيل الجزم، فقد اختلف فيها المعبّرون. وهي إشارات عامة لا تدل على حدث قادم ولا على منزلة لأحد.
أثر السياق كبير في هذا الحلم. فإن كانت الكعبة مرتفعة والمشهد صافيًا والقلب مطمئنًا، فالصورة أقرب إلى معنى السموّ والسكينة. وإن كانت مرتفعة حتى بدت بعيدة المنال، فقد تعبّر عن شعور بأن المقصد يحتاج إلى صبر وتدرج. وإن كان الرائي ينظر إليها من أسفل بخشوع، فقد ترمز إلى التواضع أمام معنى عظيم. وإن رافق الارتفاع دوار أو خوف، فقد يعبّر عن قلق من علو التوقعات لا من الكعبة نفسها.
يختلف المعنى بحسب حال الرائي. فمن كان يضع لنفسه أهدافًا عالية في دراسته أو عمله، قد تعبّر الصورة عن تطلعه إلى ثبات يسنده. ومن كان يشعر بالبعد عن مقصد أصيل، قد ترمز إلى حنينه إلى الاقتراب. ومن كان في فترة انكسار أو تعب، قد تعبّر عن حاجته إلى أن يرفع قلبه عن ضجيج الأيام. وليس لأحد منهم معنى مقرر سلفًا، فالحلم مرآة لحاله.
وتفاصيل الحلم تضيف طبقات من المعنى. فهل كانت الكعبة مرتفعة على ربوة أم كأنها معلّقة في السماء؟ وهل كانت السحب حولها أم كان الجو صافيًا؟ وهل كان الرائي يصعد نحوها أم يقف مكانه؟ وهل شعر بالأمان أم بالدهشة؟ هذه التفاصيل تشير إلى أحوال النفس، فالجو الصافي يوحي بالوضوح، والصعود يوحي بالسعي، والدهشة توحي بعظم الموقف في الخاطر.
من الناحية العملية والنفسية، قد يكون الحلم دعوة إلى أن يضع الإنسان لقلبه أهدافًا عالية في معانيها، ثم يمشي نحوها بخطوات صغيرة يومية لا ترهقه. ويفيد أن يتذكر أن السموّ لا يعني القسوة على النفس، وأن الرفعة تأتي من الاستمرار الهادئ. ولا يُفهم من الصورة وعد بشيء أو تنبؤ به. وتذكير مهم: الحلم ليس نصيحة طبية ولا نفسية، فإن استمر القلق أو الأرق فمن المناسب الحديث مع مختص أو أحد الأهل.
وقد ورد في الحديث الصحيح أن الرؤيا الصالحة من الله والحلم من الشيطان (متفق عليه)، وأن من رأى ما يكره فليستعذ بالله من شرها ولا يحدّث بها أحدًا فإنها لن تضره (متفق عليه بمعناه). وفي هذا ردّ للأمر إلى الله وتخفيف عن النفس. والارتفاع في الحلم صورة لا يقاس بها علو إنسان ولا انخفاضه، وإنما هي مرآة لما يشغل الخاطر. ومن حافظ على قلبه قريبًا من الذكر لم يضره بعد المقصد في الخيال، فالقلوب تصل إلى ما تحب بالصدق.
وبعد هذا كله فالتعبير اجتهاد بشري ظني، يحتمل الصواب والخطأ ولا يبلغ اليقين. ويحسن بالرائي أن يدعو الله بالتوفيق وعلو الهمة، وأن يحسن الظن بربه. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا يُجزم بشيء مما سيكون. والله أعلم بالصواب.
