رؤية استقبال الكعبة في الصلاة في المنام مشهد يجمع بين الإقبال والسكون، وهو من الصور التي تبعث على الهدوء والوقار. والرؤيا في أصلها صورة رمزية يصنعها الذهن من الذاكرة والمشاعر، ولا يُجزم بأنها مشهد حقيقي ولا يُدّعى بها شيء عن حال الرائي أو عبادته. فينبغي أن تُقرأ المعاني العامة بسكينة، دون تحميل للمشهد فوق ما يحتمل. ولا يُقصد بهذا التفسير بيان شيء من أمور العبادة، فذلك يُترك لأهل العلم.
الاستقبال في لغة الرموز يدل على الإقبال بالوجه والقلب معًا، وعلى الانتباه والتهيؤ للقاء ما يُعظَّم. وإذا كان الاستقبال للكعبة في حال الصلاة، وهي رمز الاتجاه الواحد والأمن والحنين والمقصد والثبات، فقد يُقرأ المشهد على أنه صورة لاجتماع القلب على وجهة واحدة وقت الخشوع. وقد يعبر كذلك عن الحنين إلى سكينة النفس وهدوئها. وكل ذلك قراءة رمزية عامة لا جزم فيها ولا خبر.
وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (سورة المؤمنون، الآية 2). وفي الآية وصف لحال الخشوع في الصلاة، وفيها ما يذكّر بقيمة حضور القلب. ويراد بهذا الربط معنى عام هو أن السكينة والخشوع من أجمل ما يزين العبادة. ولا تُجعل الآية تفسيرًا للحلم ولا تُنزّل على رائي بذاته ولا تُستعمل لتقييم أحد، فهي تذكير هادئ للقلب.
ذكر بعض المعبّرين أن الصلاة في الرؤيا تُحمل في الغالب على الطمأنينة والرجوع إلى الخير والاتصال بما يصلح الحال، وتختلف الأقوال بحسب هيئتها وموضعها. وذهب آخرون من المعبّرين إلى معان قريبة تتصل بالسكينة وسكون النفس، دون جزم ولا حسم. ويتفق المعبرون على أن الصلاة نحو موضع معظم تتضاعف عندها المعاني الرمزية من غير يقين. ولذلك فكل ما يُروى اجتهاد يحتمل الصواب والخطأ.
ويؤثر السياق في المعنى، فإذا كان الرائي مطمئنًا والمكان هادئًا والكعبة أمامه فالأقرب أن المعنى يميل إلى الاستقرار والصفاء. وإن كان متعجلًا أو مشتت الذهن في المشهد فقد يعبر ذلك عن رغبة في التمهل وضبط الانشغال. وإن كان في صف مع آخرين فقد يُقرأ على أنه أنس بالجماعة، وإن كان وحده فقد يُقرأ على خلوة وتأمل. والشعور المصاحب للمشهد أول دليل على القراءة المناسبة.
وتتنوع القراءة بحسب الرائي، فالمنشغل بعمله قد يربط الاستقبال بحاجته إلى أوقات سكون في يومه، والمريض قد يربطه برغبته في الراحة. ومن كان قلقًا من أمر قد يعبر المشهد عنده عن توق إلى الطمأنينة، ومن كان مغتربًا قد يعبر عنده عن حنين إلى الجماعة. وهذه كلها احتمالات ظنية لا تُفرض على أحد، فكل إنسان أعرف بحاله وبما يسكن قلبه.
ومن التفاصيل التي يحسن الانتباه إليها وضع الرائي في المشهد، وهل هو واقف أم جالس، وهل الكعبة أمامه مباشرة أم عن جانب، وما حوله من إضاءة وسكون. فالسكون قد يُقرأ على أنه صفاء، والإضاءة الهادئة على أنها وضوح. وإن بدت الكعبة قريبة جدًا فقد يُقرأ على أنها شعور بالقرب النفسي، وإن بدت بعيدة فقد يُقرأ على تطلع. وليس لهذه الاحتمالات سلطان على الواقع، ويحسن أن يدوّن الرائي ما رأى ويقرأه لاحقًا بذهن صاف، وألا يتكلف في ربط كل تفصيل بمعنى بعيد.
ومن الجهة النفسية قد تظهر هذه الصورة عند من يحرص على الصلاة ويحب السكون فيها، أو عند من يشتاق إلى الانتظام بعد فترة انشغال. وهذا ليس نصيحة طبية أو نفسية، فإذا لازم القلق صاحبه أو أرّقه التشتت فمن الحسن أن يتحدث مع مختص أو مع أحد أهله الثقات. ويحسن كذلك أن يتذكر الرائي أن الخشوع يُطلب في اليقظة بالتهيؤ الهادئ وتقليل المشتتات وحسن الاستعداد، وبالمحافظة على الهدوء قبل العبادة وبعدها، وبالإقلال من الانشغال بما يقطع صفاء القلب.
وقد جاء في الحديث الصحيح بمعناه أنه إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبها فلا يحدّث بها إلا من يحب (متفق عليه)، وفي ذلك أدب في حفظ ما يسر. فمن رأى هذا المشهد الطيب فله أن يحمد الله، وأن يحدّث به من يثق بمحبته وحسن فهمه إن أراد. وأما الاستغراق في تتبع كل تفصيل منه فليس مطلوبًا. فالمقصود الأعلى أن يزداد الرائي هدوءًا وحسن ظن وعملًا صالحًا.
وبعد هذا كله يبقى التفسير اجتهادًا بشريًا ظنيًا يحتمل الخطأ، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فليحسن الرائي الظن بربه وليسأله السكينة والخشوع في أموره كلها. وليجعل من هذا المشهد تذكيرًا هادئًا بقيمة الإقبال على الله بقلب حاضر، دون ادعاء ولا قلق. والله تعالى أعلم.
