الرؤيا رمز يتشكل من مشاعر الإنسان وأفكاره، ولا يُقصد بتعبيرها كشف المستقبل. ومن رأى نفسه يطوف حول الكعبة بسرعة فقد رأى حركة تحمل معنى الحماس أو الاستعجال. والتعبير هنا اجتهاد ظني يتفاوت فيه المعبّرون، ولا يُلزم أحدًا بشيء. وما يرد في هذه السطور قراءة عامة تدور حول معاني الاتجاه والمقصد. وعلى الرائي أن يجعل تأويله وسيلة للتأمل لا للقلق.
الكعبة رمز الاتجاه الواحد الذي يجمع المسلمين، وهي في التعبير عنوان للوحدة والأمن والمقصد الثابت والحنين العميق. والحركة حولها تدل على التفاف الحياة حول مركز واحد. وحين تكون الحركة سريعة، فإن الصورة تجمع بين ثبات المقصد وسرعة الإيقاع. وقد يكون هذا انعكاسًا لحياة متسارعة تحتاج إلى مركز ثابت يمنحها التوازن. وقد يكون كذلك تعبيرًا عن همة وحماس في السعي إلى ما يحبه القلب.
قال الله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (سورة البقرة، الآية 148). وفي الآية إشارة إلى تعدد وجهات الناس وإلى قيمة المسارعة في الخير. وفي هذا ما يذكّر بأن الهمة محمودة حين تقترن بالوعي بالمقصد. وليست الآية تفسيرًا لحلم بذاته، وإنما هي تذكير عام يناسب الحديث عن السرعة والاتجاه. ويبقى الحلم صورة رمزية لا تُنزَّل عليها نصوص تنزيل القطع.
ذكر بعض المعبّرين، وفي المسألة خلاف، أن الحركة السريعة في المنام قد ترمز إلى النشاط أو العجلة بحسب الحال والقرائن. وذهب آخرون من المعبّرين إلى أن ما يجري في الأماكن المعظمة يُحمل في الغالب على المعاني الحسنة ما لم تدل القرائن على غير ذلك. وهذه الأقوال لا يُجزم بها، وقد اختلف أهل التعبير في تفصيلها. والأقرب أن تُعدّ إشارات عامة تتغير بحسب الرائي ومشاعره. ولا يُبنى عليها يقين.
أثر السياق في هذا الحلم بالغ. فإن كانت السرعة مصحوبة بفرح وخفة، فقد تعبّر عن همة وإقبال. وإن كانت مصحوبة بخوف من الفوات أو ضيق في النفس، فقد تعبّر عن ضغط الوقت وكثرة المطالب. وإن جرى الرائي مع الناس بلا اختيار، فقد يرمز ذلك إلى الانسياق مع إيقاع الحياة العام. ولذلك يُسأل أولًا عن الشعور الغالب في الحلم.
يختلف المعنى بحسب نوع الرائي وحاله. فالشاب الطموح قد يرى انعكاسًا لرغبته في الإنجاز. والموظف المثقل بالمواعيد قد يرى صورة لما يشعر به من تسارع. والأم المشغولة برعاية البيت قد ترى الصورة تعبيرًا عن كثرة المهام. وليس لأحد من هؤلاء معنى جاهز، فالأحوال هي التي تحدد الاتجاه.
وتفاصيل الحلم تدعم هذه القراءات. فهل كان الرائي ينظر إلى الكعبة وهو يسرع، أم كان ينظر إلى الأرض؟ وهل كان الزحام شديدًا أم خفيفًا؟ وهل ازداد الإيقاع أم هدأ مع مرور المشهد؟ كل ذلك يشير إلى حال النفس، فالنظر إلى الكعبة يوحي بوضوح المقصد، والنظر إلى الأرض قد يوحي بالانشغال بالتفاصيل.
عمليًا، قد يكون الحلم فرصة لسؤال هادئ: هل الأيام سريعة إلى حد يفوّت على الإنسان معنى ما يفعله؟ ويمكن للرائي أن يخصص وقتًا لترتيب مهامه وتقسيمها، وأن يمنح نفسه فترات راحة. وتذكير مهم: الحلم ليس نصيحة طبية ولا نفسية، فإن كان التوتر أو الإرهاق مستمرًا فمن المناسب الحديث مع مختص أو أحد الأهل.
وقد ورد في الحديث الصحيح أن من رأى ما يكره فليستعذ بالله من شرها ومن شر الشيطان وليتفل عن يساره ثلاثًا ولا يحدّث بها أحدًا فإنها لن تضره (متفق عليه بمعناه). ومن رأى ما يحب فلا يحدّث به إلا من يحب. وهذا توجيه يخفف عن النفس وطأة التأويل، ويرد الأمر إلى الله. والسرعة في الأعمال لا تنفع إن غاب عنها الاتزان والمقصد الواضح. فالسهم السريع لا يفيد إن لم يُعرف هدفه، والخطوة المتأنية قد تبلغ ما لا تبلغه الخطوة المتعجلة. وفي كثير من الأحوال تكون الرغبة في الإسراع صدى لخوف من التأخر عن الآخرين، وهو خوف يخف حين يدرك الإنسان أن لكل طريق إيقاعه وأن المقارنة الدائمة ترهق القلب. وحين يرجع الرائي إلى مقصده الأول يجد في ذلك راحة ووضوحًا. ومن الجميل أن يسأل نفسه عما يريده حقًا وعما يفعله لمجرد أن غيره يفعله، فإجابة هذا السؤال تخفف كثيرًا من العجلة وتعيد للأيام معناها.
وبعد هذا كله فالتعبير اجتهاد بشري ظني، يحتمل الخطأ كما يحتمل الصواب. ويحسن بالرائي أن يدعو الله بالتوفيق وصلاح الحال، وأن يحسن الظن بربه. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا يُجزم بشيء مما سيكون. والله أعلم بالصواب.
