حين يرى النائم الكعبة من بعيد فإن أول ما يتبادر إلى الذهن معنى المسافة بين القلب ومقصده. والمسافة في عالم الرؤيا ليست قياسًا بالأمتار، وإنما هي صورة لشعور داخلي بالقرب أو البعد من أمر عزيز. وينبغي أن تُستقبل هذه الرؤيا بوقار وهدوء، دون أن يُظن أنها خبر عن مكان حقيقي أو عن شيء قادم. فهي في الأصل مشهد رمزي تتداخل فيه الذاكرة والاشتياق والاهتمامات.
الكعبة المشرفة رمز للمقصد الواحد الذي تتجه إليه القلوب، فإذا ظهرت في الأفق البعيد فقد يُقرأ ذلك على أنه غاية كبيرة يحملها صاحبها في نفسه. والبعد هنا قد يوحي بأن الطريق ما زال ممتدًا وأن الغاية تحتاج صبرًا وتدرجًا. وقد يوحي كذلك بالحنين، فالمرء يشتاق إلى ما يراه بعيدًا عنه أكثر مما يشتاق إلى ما بين يديه. وهذه معان عامة لا تخص إنسانًا دون آخر، وهي من باب التأمل لا من باب الإخبار.
ومن الآيات التي تتصل بمعنى الوجهة والاتجاه قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (سورة الفاتحة، الآية 6). وهي دعاء يتكرر على ألسنة المصلين كل يوم، وفيه طلب الاستقامة على طريق واضح. وفي هذا ما يذكّر بقيمة وضوح الاتجاه في الحياة، دون إسقاط الآية على رؤيا محددة أو جعلها تفسيرًا لها. فالرؤيا شيء، والنص القرآني شيء آخر، ولا يُربط بينهما إلا على سبيل التذكير العام.
ذكر بعض المعبّرين أن المنظر البعيد في الرؤيا يُحمل غالبًا على الأمر الذي لم يقترب بعد، وأن للمبصرات من بعيد معنى الأمل والتطلع. وذهب آخرون من المعبّرين إلى أن بُعد المرئي قد يُقرأ على أنه تأخر في بلوغ المراد أو حاجة إلى التمهل، وهو كلام يُروى على سبيل الاحتمال. وتختلف الآراء في ذلك، ولا يوجد قول يُجزم به في كل حال، فالقراءة تتبع هيئة الرؤيا وحال صاحبها. ويبقى الأصل أن التعبير ظن واجتهاد.
وتختلف الدلالة باختلاف وضوح المشهد، فإذا كانت الكعبة صافية الملامح رغم بعدها فالمعنى أقرب إلى وضوح الغاية في نفس الرائي. وإذا كانت مغبشة أو يحجبها شيء فقد تعبر عن بعض الحيرة في تحديد الوجهة أو عن انشغال يحجب الصفاء الداخلي. ووجود طريق ممتد نحوها قد يرمز إلى رغبة في السير بخطوات منتظمة. أما الشعور المصاحب، من اطمئنان أو شوق أو تردد، فهو أهم من الصورة نفسها في الفهم.
وقد تتفاوت القراءة بين الناس، فالشاب الذي يبدأ حياته قد يرى في المشهد صورة لحلم كبير يحمله، والموظف المنهك قد تعبّر الرؤيا عنده عن حاجته إلى معنى أبعد من الانشغال اليومي. وكبير السن قد تتحرك عنده معاني الحنين والتأمل في مسيرته الطويلة. والمغترب قد يرتبط المشهد عنده بالأهل والبلد وما يشتاق إليه. وهذه احتمالات ظنية، لا يُلزم بها أحد.
ومن التفاصيل التي قد يُنتبه إليها مقدار ما يراه الرائي من حولها، كالأفق والسماء وتدرج الضوء، فالمشهد الهادئ الصافي أقرب إلى معاني الصفاء. وإن كان الرائي يمشي نحوها فقد يُقرأ ذلك رمزًا للسعي وترتيب الخطوات، وإن كان واقفًا يتأملها فالأقرب معنى التفكر والترقب. وكل ذلك رمزي ولا يتضمن وعدًا بشيء. وينبغي أن يُترك لكل رائي تقدير ما يناسب حاله.
ومن الناحية النفسية قد يكون هذا المشهد انعكاسًا لحنين إلى أيام صفاء، أو لرغبة في ترتيب الأهداف والعودة إلى قيم يعتز بها الإنسان. وربما ظهر بعد سماع قراءة أو مشاهدة صور أو حديث مع أهل عن أماكن مباركة. وهذا ليس نصيحة طبية أو نفسية، فإذا اشتد القلق أو طال الحزن بسبب البعد عن الأحبة فمن الحسن التحدث مع مختص أو مع أحد الأهل المقربين. والنفس تحتاج إلى من يسمعها.
وفي الحديث الصحيح بمعناه أن الإنسان إذا رأى الرؤيا يحبها فلا يحدّث بها إلا من يحب (متفق عليه)، وفي هذا أدب حسن عند رؤية ما يسر. فمن رأى الكعبة من بعيد فله أن يحتفظ بشعور الطمأنينة، وأن يحدّث بها من يثق بحسن فهمه ومحبته. وأما الإكثار من التحدث بها أو ترتيب قرارات كبيرة عليها فليس من الرشد، والمقصود أن تبقى الرؤيا مصدر هدوء. ويكفي في ذلك أن يعود الرائي إلى أعماله بنية صافية وقلب مطمئن، وأن يترك التفاصيل لما يزيده أدبًا وهدوءًا مع من حوله، فالغاية من التأمل في الرؤى أن تصلح النفس لا أن تنشغل.
وبعد هذا كله يبقى التفسير اجتهادًا بشريًا ظنيًا يحتمل الخطأ، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فليحسن الرائي الظن بربه وليدعُ الله أن يوفقه لما فيه خير دينه ودنياه. وليكن شوقه إلى الخير دافعًا إلى العمل الصالح والسعي الهادئ، لا سببًا للقلق أو التعلق بتأويل واحد. والله أعلم.
