رؤية الكعبة من فوق سطح مشهد يجمع الارتفاع والاتساع، وهو مما يترك في النفس إحساسًا بالتأمل. والرؤيا في أصلها صورة رمزية يصنعها الذهن من الذاكرة والمشاعر، ولا يُجزم بأنها مكان حقيقي ولا يُدّعى بها شيء عن حال الرائي. ومن رأى هذا المشهد فليستقبله بهدوء ووقار، وليقرأه قراءة عامة. وما يذكره المعبرون في السطح والارتفاع اجتهادات تتغير بتغير الهيئة والسياق.
السطح في لغة الرموز موضع مرتفع يُشرف منه المرء على ما حوله، فيدل في الجملة على الاطلاع والنظرة الشاملة. وإذا كان الذي يُرى من هناك الكعبة، وهي رمز الاتجاه الواحد والأمن والحنين والمقصد والثبات، فقد يُقرأ المشهد على أنه صورة لنظرة هادئة إلى المعاني الكبرى بعد أن ارتفع المرء قليلًا عن زحمة التفاصيل. وقد يعبر كذلك عن حنين وتأمل يأتي في الأوقات الهادئة. وكل ذلك قراءة رمزية عامة لا جزم فيها.
وفي الجملة تبقى دلالة النظر من السطح دلالة رمزية عامة تعبّر عن شعور بالارتفاع والنظرة الشاملة. وهذه كلها قراءات عامة تتسع لأكثر من وجه، ولا تقوم دليلا على أمر بعينه. فالأحلام في الغالب تتأثر بما يمر بالإنسان في يقظته من مشاعر وخواطر وصور. ولذلك يحسن أن يُنظر إلى المشهد نظرة هادئة بعيدة عن الجزم والتهويل. ويبقى الأهم في الحياة العمل الصالح وحسن الظن بالله والاعتدال في كل شأن.
ذكر بعض المعبّرين أن الارتفاع في الرؤيا قد يُحمل على معان تتصل بالمكانة أو الاطلاع بحسب ما يرافقه، وتختلف الأقوال تبعًا لذلك. وذهب آخرون من المعبّرين إلى معان قريبة تتصل بالسطح والأماكن العالية في الرؤى، ومنها الإشراف على الأمر والنظر إليه من بعيد، دون جزم ولا حسم. والمعبرون يذكرون كذلك أن الارتفاع المخيف يختلف عن الارتفاع الآمن، وأن للشعور المصاحب أثرًا كبيرًا. ولذلك فكل ذلك اجتهاد ظني يُؤخذ بحذر.
وللسياق أثر كبير في القراءة، فإذا كان السطح مستقرًا آمنًا والمشهد هادئًا فالأقرب أن يعبر عن اتساع النظر وسكينة التأمل. وإذا كان الرائي يشعر بخوف من الارتفاع فقد يُقرأ ذلك على قلق من مسؤولية كبيرة أو من موقف يراه فوق طاقته. وإن كانت الكعبة تبدو صغيرة بعيدة فقد يعبر عن غاية يتطلع إليها، وإن كانت قريبة واضحة فهي أقرب إلى الألفة. والشعور المصاحب أول دليل على المعنى المناسب.
وتختلف القراءة بحسب الرائي، فمن كان في موقع مسؤولية قد يرى في المشهد حاجته إلى نظرة شاملة هادئة لما بين يديه. ومن كان طالبًا قد يربطه بغاية يرنو إليها، وربة البيت قد ترى فيه تذكيرًا بالسكينة وسط انشغالاتها. ومن كان وحيدًا بعيدًا عن أهله قد يرتبط عنده بالحنين إلى مكان ينتمي إليه. وهذه احتمالات ظنية، ولا يُلزم بها أحد، ولكل إنسان أن يقدر ما يوافق حاله.
ومن التفاصيل التي يحسن الانتباه إليها هيئة السطح، أهو مسور أم مفتوح، وما يحيط به من بيوت وسماء وهواء. فالسطح المسور الآمن قد يُقرأ على أنه حفظ وسكينة، والمفتوح قد يُقرأ على أنه اتساع وحرية. والهواء العليل قد يرمز إلى انشراح، والمنظر الصافي إلى وضوح. وليس في هذه التفاصيل ما يُجعل خبرًا، وإنما هي مفاتيح للتأمل. ويحسن أن يدوّن الرائي ما رأى ويقرأه بذهن صاف.
ومن الجهة النفسية قد يظهر هذا المشهد عند من يريد أن ينأى قليلًا عن ضغط الأمور ليراها من فوق. وقد يكون أثرًا لفترة تفكير وتخطيط، أو لمشاهدة منظر عالٍ قبل النوم. وهذا ليس نصيحة طبية أو نفسية، فإذا لازم القلق أو الدوار الذهني صاحبه، أو كان الشعور بالضغط ثقيلًا، فمن الحسن أن يتحدث مع مختص أو مع أحد أهله. والبعد المؤقت عن الضوضاء ينفع النفس إذا اقترن بحديث صادق مع من يُطمئن.
وقد جاء في الحديث الصحيح أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة (متفق عليه)، وفي هذا ما يحمل على احترام الرؤيا الطيبة دون غلو. وجاء بمعناه أن من رأى ما يكره فليستعذ بالله من شرها ومن شر الشيطان وليتفل عن يساره ثلاثًا ولا يحدّث بها أحدًا فإنها لن تضره (متفق عليه). فهذا الأدب يغني عن الوسوسة. والرؤيا العلوية بحمد الله يغلب عليها الهدوء في الغالب.
وبعد هذا كله يبقى التفسير اجتهادًا بشريًا ظنيًا يحتمل الخطأ، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فليحسن الرائي الظن بربه وليسأله السكينة والثبات في أموره كلها. وليجعل من هذا المشهد دافعًا هادئًا إلى سعة النظر وحسن الترتيب، دون ادعاء ولا قلق. والله تعالى أعلم.
