الرؤيا صور رمزية تتألف من خواطر النفس وهمومها وآمالها، وليست خبرًا عن الغد ولا قضاءً على أحد. ومن رأى نفسه يعلّق صورة الكعبة في منامه فقد رأى فعلًا بسيطًا يرمز إلى إبقاء المقصد أمام النظر. والتعبير اجتهاد ظني تتفاوت فيه الأنظار، ولا يُبنى عليه قرار في الحياة. والصورة والجدار والمكان في الحلم رموز يختارها الذهن، وليست أخبارًا ولا دليلًا على شيء. وما يُذكر هنا قراءة هادئة حول معاني الاستحضار والترتيب والسكينة، لا حول شيء مما يُقتنى. وعلى الرائي أن يستقبلها بطمأنينة.
الكعبة رمز الاتجاه الواحد والوحدة والأمن والحنين والثبات والمقصد. وتعليق الصورة في لغة الرؤى قد يرمز إلى رغبة في أن يكون المعنى حاضرًا في المكان الذي يعيش فيه الإنسان، وإلى ترتيب البيت أو النفس على نحو يذكّر بما هو أهم. فإذا اجتمعا، جاءت الدلالة العامة على استحضار المقصد في الحياة اليومية، وعلى رغبة في أن يكون للإنسان نقطة ثابتة يعود إليها بنظره وقلبه. وقد تعكس الصورة شوقًا هادئًا إلى طمأنينة تحيط بالمكان. وهذه قراءة رمزية تحتمل غيرها بحسب شعور الرائي.
وفي الأحاديث الصحيحة أن الرؤيا الصالحة من الله والحلم من الشيطان (متفق عليه)، وأن من رأى ما يكره فليستعذ بالله من شرها وليتفل عن يساره ثلاثًا ولا يحدّث بها أحدًا فإنها لن تضره (متفق عليه بمعناه). وفي هذا المعنى أدب جميل في استقبال الرؤى. وليس الحديث تفسيرًا لحلم محدد ولا تنزيلًا عليه، وإنما هو تذكير عام بأن الرؤى لا تُبنى عليها المواقف. وفي هذا ما يذكّر بقيمة الهدوء مع ما يراه الإنسان في منامه. ويبقى الحلم صورة رمزية لا تُقاس بها الأعمال.
ذكر بعض المعبّرين، وفي المسألة خلاف بين أهل التعبير، أن ما يُرى في أثناء الأعمال المنزلية في المنام قد يُحمل على ما يشغل الرائي من أمر أهله وبيته بحسب القرائن. وذهب آخرون من المعبّرين إلى أن أفعال النائم في رؤياه كثيرًا ما تدل على ما يميل إليه قلبه في اليقظة. ولا تُؤخذ هذه الأقوال على سبيل الجزم، فقد اختلف فيها المعبّرون. وهي إشارات عامة لا تدل على حدث قادم.
أثر السياق عظيم في هذا الحلم. فإن كان التعليق في موضع مرتفع واضح والقلب مطمئنًا، فالصورة أقرب إلى معنى تكريم المعنى وإبقائه ظاهرًا. وإن كان الرائي يتردد في اختيار الموضع، فقد تعبّر عن حيرة في ترتيب الأولويات. وإن كان يعلق الصورة بيديه في هدوء، فقد ترمز إلى سعي هادئ إلى الترتيب. وإن سقطت الصورة أو مالت، فقد تعبّر عن حاجة إلى إعادة ضبط للاتجاه، من غير أن يدل ذلك على شيء.
يختلف المعنى بحسب حال الرائي. فمن كان ينتقل إلى مسكن جديد أو يرتب بيته، قد تعبّر الصورة عن انشغاله بترتيب المكان. ومن كان قلقًا من أمر يشغله، قد ترمز إلى حاجته إلى نقطة ثابتة تهدئه. ومن كان محبًا للزينة والبيت الجميل، قد تعبّر عن ذوقه الشخصي. وليس لأحد منهم معنى مقرر سلفًا، فالحلم مرآة لحاله.
وتفاصيل الحلم تضيف طبقات من المعنى. فهل كان الجدار في بيت الرائي أم في مكان غريب؟ وهل كان الإطار بسيطًا أم مزخرفًا؟ وهل كان معه أحد يساعده أم كان وحده؟ وهل كان الضوء كافيًا أم خافتًا؟ هذه التفاصيل تشير إلى أحوال النفس، فالجدار المألوف يوحي بالأمان، والمساعدة توحي بالمشاركة، والضوء الكافي يوحي بوضوح الاتجاه. وكلها تفاصيل رمزية لا أكثر.
من الناحية العملية والنفسية، قد يكون الحلم دعوة إلى أن يهيّئ الإنسان في بيته ويومه ركنًا هادئًا للسكينة: مكانًا للذكر والدعاء والقراءة بعيدًا عن الضوضاء. ويفيد أن يهتم بالمعنى أكثر من الشكل، وأن يجعل بيته مكانًا يألفه قلبه. ولا يُفهم من الصورة وعد بشيء أو تنبؤ به. وتذكير مهم: الحلم ليس نصيحة طبية ولا نفسية، فإن استمر القلق أو الأرق فمن المناسب الحديث مع مختص أو أحد الأهل.
وقد يتذكر الرائي أن البيت الهادئ ليس بزينته وإنما بما يسكنه من مودة وسكينة، وأن القلوب تألف المكان الذي يُذكر فيه الله. وفي هذا تخفيف عن النفس وردّ للأمر إلى الله. والصورة المعلقة في الأحلام ليست الشيء نفسه، وإنما هي إشارة إليه، والقلب يتعلق بالمعنى لا بالإطار. ومن أحسن الظن بربه وجد في بيته وأيامه مواضع كثيرة للطمأنينة.
وبعد هذا كله فالتعبير اجتهاد بشري ظني، يحتمل الصواب والخطأ ولا يبلغ اليقين. ويحسن بالرائي أن يدعو الله بالتوفيق وسكينة البيت والقلب، وأن يحسن الظن بربه. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا يُجزم بشيء مما سيكون. والله أعلم بالصواب.
