رؤية ساحة الحرم في المنام مشهد واسع الأفق يلفت النظر إلى الرحاب المحيطة بالبيت المعظم، وهو من الصور التي تبعث على الهدوء. والرؤيا في أصلها صورة رمزية يصنعها الذهن من الذاكرة والمشاعر، ولا يُجزم بأنها مكان حقيقي ولا يُدّعى بها شيء عن الرائي أو عن سفر أو غيره. فينبغي أن يُقرأ المشهد بوقار وهدوء. وما يذكره المعبرون في الساحات والرحاب قراءات تتغير بتغير الهيئة والسياق.
الساحة في لغة الرموز تدل على السعة والانفتاح واجتماع الناس في موضع واحد، فهي المساحة التي يلتقي فيها الجميع بلا حواجز. وإذا كانت الساحة حول الكعبة، وهي رمز الاتجاه الواحد والأمن والحنين والمقصد والثبات، فقد يُقرأ المشهد على أنه صورة لرحابة القلب حين يتجه إلى مقصد واحد. وقد يعبر كذلك عن الألفة والسكينة التي تظللها المعاني الكبيرة. وكل ذلك قراءة رمزية عامة لا جزم فيها ولا ربط بحدث.
وقال الله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ﴾ (سورة المائدة، الآية 97). وفي الآية ذكر لمكانة البيت في حياة الناس واجتماعهم عليه. ويراد بهذا الربط معنى عام هو قيمة الاجتماع على مقصد واحد في الوجدان الإيماني. ولا تُجعل الآية تفسيرًا للحلم ولا تُنزّل على رائي بذاته، فهي تذكير للقلب بقيمة الوحدة والأمان.
ذكر بعض المعبّرين أن الأرض الواسعة في الرؤيا تُحمل في الغالب على السعة في الحال وانشراح الصدر، وأن ضيقها يتبعه تغير في القراءة، وتختلف الأقوال بحسب هيئتها. وذهب آخرون من المعبّرين إلى معان قريبة تتصل باجتماع الناس في موضع الخير وأنس الجماعة، دون جزم ولا حسم. ويتفق المعبرون على أن الصورة الواحدة تختلف باختلاف الرائي وحاله. ولذلك فكل ما يُروى اجتهاد يحتمل الصواب والخطأ.
ويؤثر السياق في المعنى، فإذا كانت الساحة نظيفة منتظمة في ضوء هادئ فالأقرب أن المعنى يميل إلى الانشراح والسكينة. وإن كانت مزدحمة فقد تعبر عن كثرة العلاقات والمشاغل المحيطة بالرائي، وإن كانت خالية فقد تعبر عن خلوة وتأمل. وإن كان الرائي يمشي فيها بهدوء فقد يُقرأ على أنه سير متأنٍّ في شأنه، وإن كان جالسًا فقد يُقرأ على راحة وطمأنينة. والشعور المصاحب أول دليل على القراءة المناسبة.
وتتنوع القراءة بحسب الرائي، فالمغترب قد يربط الساحة بحنينه إلى أهله ووطنه، والطالب قد يربطها بمجتمع العلم الذي ينتمي إليه. وربة البيت قد تربطها بصفاء بيتها ولمّ شمل أسرتها، ومن كان يميل إلى العزلة قد يعبر المشهد عنده عن حاجة إلى الأنس بالناس. وهذه كلها احتمالات ظنية لا تُفرض على أحد، فكل إنسان أعرف بحاله وبما يشغل قلبه.
ومن التفاصيل التي يحسن الانتباه إليها أرضية الساحة ولونها، وهل هي مظللة أم مكشوفة، وهل يمر فيها هواء لطيف، وما حولها من أروقة وإضاءة. فالظل الهادئ قد يُقرأ على أنه سكينة وستر، والإضاءة المتسقة على أنها وضوح وانتظام. وإن كان الجو عاصفًا أو مظلمًا فقد يُقرأ ذلك على قلق عابر لا أكثر. ولا يُراد بذلك وعد أو خبر، وإنما هي مفاتيح للتأمل. ويحسن أن يدوّن الرائي ما رأى ويقرأه لاحقًا بذهن صاف، وألا يستعجل في ربط كل تفصيل بمعنى بعيد.
ومن الجهة النفسية قد تظهر هذه الصورة عند من يشتاق إلى رحابة نفسية بعد انشغال طويل بالتفاصيل، أو عند من تأثر بصورة أو حديث عن البيت المعظم وما حوله. وهذا ليس نصيحة طبية أو نفسية، فإذا لازم القلق صاحبه أو اشتد عليه الشعور بالضيق فمن الحسن أن يتحدث مع مختص أو مع أحد أهله الثقات. ويحسن كذلك أن يتذكر الرائي أن سعة الصدر تُطلب في اليقظة بذكر الله والتخفف من الهموم الصغيرة وصحبة الطيبين.
وقد جاء في الحديث الصحيح أن الرؤيا من الله والحلم من الشيطان (متفق عليه)، وفي ذلك ما يساعد الرائي على قياس أثر المشهد في نفسه. فإن ترك المشهد سكينة فليحمد الله ويحسن الظن، وإن ترك ضيقًا فليستعذ بالله منه ولا يشغل نفسه به. والأصل في الرؤى الهادئة أن تُقابل بالشكر والأدب. فلا تكون الرؤيا مجالًا للتفاخر ولا للتأويل المتكلف.
وبعد هذا كله يبقى التفسير اجتهادًا بشريًا ظنيًا يحتمل الخطأ، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فليحسن الرائي الظن بربه وليسأله انشراح الصدر وسكينة القلب. وليجعل من هذا المشهد تذكيرًا هادئًا بقيمة الاجتماع على الخير والرحابة في المعاملة، دون ادعاء ولا قلق. والله تعالى أعلم.
