الرؤيا صور رمزية تتألف من خواطر النفس وهمومها وآمالها، وليست خبرًا عن الغد ولا قضاءً على أحد. ومن رأى الكعبة في كتاب في منامه فقد رأى المقصد بين صفحات تُقرأ وتُتأمل. والتعبير اجتهاد ظني تتفاوت فيه الأنظار، ولا يُبنى عليه قرار في الحياة. والكتاب في الحلم قد يكون كتابًا مألوفًا للرائي أو لم يره من قبل، وليس دليلًا على شيء. وما يُذكر هنا قراءة هادئة حول معاني العلم والتأمل والصلة بالمقصد. وعلى الرائي أن يستقبلها بطمأنينة.
الكعبة رمز الاتجاه الواحد والوحدة والأمن والحنين والثبات والمقصد. والكتاب في لغة الرؤى قد يرمز إلى العلم والتعلم وما يحفظه الإنسان في ذاكرته من معارف، وإلى الصفحات التي تُطوى وتُفتح كما تُطوى الأيام وتُفتح. فإذا اجتمعا، جاءت الدلالة العامة على مقصد يُتعرف عليه بالقراءة والتأمل، وعلى رغبة في فهم ما يحبه القلب بعمق أكبر. وقد تعكس الصورة شغفًا بالتعلم أو شوقًا إلى معرفة أوسع بالمعاني الكبيرة. وهذه قراءة رمزية تحتمل غيرها بحسب ألوان المشهد وشعور الرائي.
قال الله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (سورة العلق، الآية 1). وفي الآية افتتاح لطلب القراءة والعلم باسم الله. وليست الآية تفسيرًا لحلم محدد ولا تنزيلًا عليه، وإنما هي تذكير عام بقيمة القراءة والتعلم. وفي هذا ما يذكّر بأن الصلة بالمعاني الكبيرة تقوم على الفهم والتأمل لا على الخيال وحده. ويبقى الحلم صورة رمزية لا تُقاس بها الأعمال.
ذكر بعض المعبّرين، وفي المسألة خلاف بين أهل التعبير، أن الكتاب في المنام قد يُحمل على العلم وما يُدوَّن ويُحفظ بحسب القرائن. وذهب آخرون من المعبّرين إلى أن ما يتعلق بالقراءة في الرؤى يتصل بما يطلبه صاحبها من معرفة وفهم. ولا تُؤخذ هذه الأقوال على سبيل الجزم، فقد اختلف فيها المعبّرون. وهي إشارات عامة لا تدل على حدث قادم ولا على نتيجة في دراسة أو عمل.
أثر السياق عظيم في هذا الحلم. فإن كانت صورة الكعبة في الكتاب واضحة جميلة والقلب مطمئنًا، فالمعنى أقرب إلى الأنس بالمعرفة والتأمل الهادئ. وإن كانت الصفحة مطوية أو باهتة، فقد تعبّر عن معنى لم يُفتح بعد أو عن رغبة في تعمق أكبر. وإن كان الرائي يقرأ في الكتاب بتمهل، فقد ترمز إلى سعي هادئ إلى الفهم. وإن كان الكتاب مغلقًا بين يديه، فقد تعبّر عن معنى محفوظ ينتظر وقته.
يختلف المعنى بحسب حال الرائي. فمن كان طالب علم أو قارئًا نهمًا، قد تعبّر الصورة عن شغفه بالمعرفة. ومن كان بعيدًا عن القراءة بسبب الانشغال، قد ترمز إلى حاجته إلى وقت هادئ مع الكتب. ومن كان يتأمل مقصد حياته، قد تعبّر عن رغبته في معرفة أوسع به. وليس لأحد منهم معنى مقرر سلفًا، فالحلم مرآة لحاله.
وتفاصيل الحلم تضيف طبقات من المعنى. فهل كان الكتاب قديمًا أم جديدًا؟ وهل كانت الصفحة ملونة أم بخط وحده؟ وهل كان الكتاب كبيرًا أم صغيرًا؟ وهل كانت الكعبة في الغلاف أم داخل الصفحات؟ هذه التفاصيل تشير إلى أحوال النفس، فالكتاب القديم يوحي بالأصالة، والغلاف يوحي بالعنوان الذي يختاره الإنسان لحياته، والصفحات الداخلية توحي بالتعمق. وكلها تفاصيل رمزية لا أكثر.
من الناحية العملية والنفسية، قد يكون الحلم دعوة إلى أن يخصص الإنسان وقتًا ثابتًا للقراءة النافعة والتأمل فيما يقرأ، ولو كانت صفحات قليلة كل يوم. ويفيد أن يجمع بين القراءة والعمل وبين الفهم والرفق بالنفس. ولا يُفهم من الصورة وعد بشيء أو تنبؤ به. وتذكير مهم: الحلم ليس نصيحة طبية ولا نفسية، فإن استمر القلق أو الأرق فمن المناسب الحديث مع مختص أو أحد الأهل.
وقد ورد في الحديث الصحيح أن الرؤيا الصالحة من الله والحلم من الشيطان (متفق عليه)، وأن من رأى ما يكره فليستعذ بالله من شرها ولا يحدّث بها أحدًا فإنها لن تضره (متفق عليه بمعناه). وفي هذا تخفيف عن النفس وردّ للأمر إلى الله. والكتاب في الأحلام ليس الشيء نفسه، وإنما هو إشارة إلى الطريق، والقلب يتعلق بالمعنى لا بالورق. ومن أحسن الظن بربه وجد في القراءة والتأمل ما يزيده سكينة.
وبعد هذا كله فالتعبير اجتهاد بشري ظني، يحتمل الصواب والخطأ ولا يبلغ اليقين. ويحسن بالرائي أن يدعو الله بزيادة العلم وسكينة القلب، وأن يحسن الظن بربه. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا يُجزم بشيء مما سيكون. والله أعلم بالصواب.
