رؤية الكعبة وسط جموع كثيرة من الناس مشهد يجمع الجلال والحركة، ويستحضر معنى الاجتماع حول مقصد واحد. والرؤيا في حقيقتها صورة رمزية تتشكل في الذهن من الذاكرة والمشاعر، ولا يُجزم بأنها مكان حقيقي ولا يُدّعى بها شيء عن حال الرائي أو عن حدث قادم. فمن رأى ذلك فليستقبله بوقار وهدوء. وما يلي قراءات عامة ظنية تتغير بتغير التفاصيل وحال الرائي.
الزحام حول الكعبة في الرمز يستحضر معنى الوحدة، فالناس على اختلاف أعمارهم وبلدانهم وألسنتهم يتجهون إلى وجهة واحدة. وهذا يوافق ما تحمله الكعبة من رمزية الاتجاه الواحد والأمن والحنين والمقصد والثبات. وقد يعبر المشهد عن شعور الرائي بالانتماء إلى جماعة أكبر منه، أو عن رغبته في أن يكون جزءًا من اجتماع على الخير. وقد يحمل أيضًا معنى التزاحم في الحياة وكثرة المطالب، فيُقرأ بحسب الشعور الذي يصاحبه. وكل ذلك قراءة رمزية لا جزم فيها.
وقال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (سورة آل عمران، الآية 103). وفي الآية دعوة إلى الاجتماع والتآلف وترك التفرق، وهي من المعاني الكبرى في الاجتماع الإسلامي. ويراد بهذا الربط التذكير بقيمة الوحدة والتآلف في الجملة، ولا تُجعل الآية تفسيرًا لحلم ولا يُسقط معناها على فئة أو شخص. فهي دعوة عامة تذكّر القلوب بأن الاجتماع على الخير نعمة.
ذكر بعض المعبّرين أن اجتماع الناس في الرؤيا يُحمل بحسب حالهم وهيئتهم، فإذا كانوا في هدوء وخير حُمل على معاني الألفة والاجتماع. وذهب آخرون من المعبّرين إلى معان قريبة تتصل بكون الحشود تدل على حال المكان الذي هم فيه، وتختلف الآراء في ذلك. ولا يصلح أن يُقطع بمعنى واحد لكل حالة، لأن الجموع قد تعبّر عن الأنس عند قوم وعن الضيق عند آخرين. فالتعبير ظن واجتهاد يحتمل الصواب والخطأ.
ويؤثر السياق في القراءة تأثيرًا كبيرًا، فإذا كان الزحام منظمًا هادئًا يسوده الأدب والسكينة فالأقرب أن يُحمل على معنى الاجتماع والتآلف. وإذا كان صاخبًا يضيق به الرائي فقد يعبر عن ضغط الازدحام في حياته اليومية وكثرة ما يُطلب منه. وإن كان الرائي يشعر بأنه محمول مع الجموع في اتجاه واحد فقد يُقرأ على أنه انتماء، وإن كان يشعر بأنه يُدفع فقد يُقرأ على أنه حاجة إلى مساحة شخصية. والشعور أدل من الصورة نفسها.
وتتنوع القراءة بحسب الرائي، فمن يعيش في مدينة مزدحمة قد يرى في المشهد انعكاسًا لما يعتاده من اختلاط. ومن يشتاق إلى أسرته الكبيرة قد يعبّر المشهد عنده عن حنين إلى الجمعة والاجتماع. والطالب في بيئة دراسية كبيرة قد يربط الزحام بمنافسة وضغط، وربة البيت قد تربطه بكثرة المهام. وهذه احتمالات ظنية لا تُفرض على أحد، ولكل رائي أن يقدر ما يناسب حاله.
ومن التفاصيل التي يحسن الانتباه إليها أصوات الجموع وهدوءها، ومدى قرب الرائي من الكعبة، وهل يرى وجوهًا مألوفة. فالأصوات الهادئة المتناغمة تميل إلى معنى الألفة، والأصوات العالية المتداخلة قد تميل إلى معنى الانشغال. وإن كانت الكعبة واضحة رغم الزحام فقد يُقرأ ذلك على أن القصد يبقى حاضرًا وسط الانشغال. وكل ذلك رمزي ولا يتضمن خبرًا، ويُترك للرائي تقدير ما يناسبه.
ومن الجهة النفسية قد يظهر هذا المشهد عند من تكثر أمامه الالتزامات الاجتماعية فيحتاج إلى مركز داخلي ثابت، أو عند من يشتاق إلى الانتماء والاجتماع. وقد يتأثر بما شاهده من صور حشود مجتمعة في مناسبات كبيرة. وهذا ليس نصيحة طبية أو نفسية، فإذا لازمه الضيق من الازدحام أو الخوف من الأماكن المكتظة فمن الحسن أن يتحدث مع مختص أو مع أحد أهله. والتدرج في مواجهة ما يُتعب النفس أرفق بها.
وقد جاء في الحديث الصحيح أن الرؤيا من الله والحلم من الشيطان (رواه البخاري ومسلم)، وفي هذا ما يساعد على التمييز بين المشهد الذي يترك سكينة والمشهد الذي يترك ضيقًا. فإن ترك المشهد في الصدر انشراحًا فليحمد الله، وإن ترك ضيقًا فليستعذ بالله وليترك الانشغال به. والرؤيا الواحدة قد يكون لها وجهان بحسب أثرها في صاحبها، والمعتبر هو الأثر الهادئ.
وبعد هذا كله يبقى التفسير اجتهادًا بشريًا ظنيًا يحتمل الخطأ، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فليحسن الرائي الظن بربه وليسأله أن يؤلف بين القلوب على الخير. وليجعل من هذا المشهد تذكيرًا هادئًا بقيمة الاجتماع والاتجاه الواحد، دون ادعاء ولا قلق. والله تعالى أعلم.
