إذا ظهرت الكعبة في المنام وحولها ضوء مشرق فهو مشهد يوحي بالصفاء والجلال معًا. والرؤيا في أصلها صورة رمزية يصوغها الذهن من الذاكرة والمشاعر، ولا يُجزم بأنها حقيقة مكانية ولا يُدّعى بها شيء عن حال الرائي. والتعامل الأليق مع هذه الصورة أن تُقرأ بهدوء ووقار. وما يذكره المعبرون في الضوء عمومًا قراءات تتغير بتغير الهيئة والسياق، ولا يُجزم بها.
الضوء في عالم الرموز يقترن بالهداية والوضوح والبشارة العامة بالانشراح، والنور في القرآن الكريم مرتبط بمعاني العلم والإيمان. وإذا اقترن بالكعبة، وهي رمز للاتجاه الواحد والأمان والثبات، فقد يُقرأ المشهد على أنه صورة لصفاء القصد وسلامة الاتجاه في نفس الرائي. وقد يحمل أيضًا معنى الحنين الذي يضيء القلب بالأمل، والمقصد الذي يهتدي به المرء في سيره. وكل ذلك احتمالات رمزية لا تتضمن جزمًا بشيء.
وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (سورة النور، الآية 35). وفي الآية وصف عظيم لنور الله تعالى الذي تهتدي به الخلائق، وفيه ما يذكّر بقيمة النور في الفهم الإسلامي بوصفه رمزًا للهداية. ويحسن أن يكون الربط عامًا، فلا تجعل الآية تفسيرًا لحلم ولا يُدّعى أن الرائي يراه بهذا المعنى. وإنما المقصود التذكير بأن للضوء معنى جميلًا في الوجدان الإيماني، ينبغي أن يُقابل بالأدب والشكر.
ذكر بعض المعبّرين أن الضوء في المنام قد يُحمل في الغالب على معاني الهداية والبشرى العامة، ما لم يقترن بما يغيّر ذلك، وتختلف الأقوال بحسب نوع الضوء وشدته. وذهب آخرون من المعبّرين إلى أن للنور والإشراق دلالة محمودة في الجملة، دون تحديد لحدث محدد أو جزم بنتيجة. وقد شدد أهل التعبير على أن الاعتبار في ذلك بحال الرائي وما يصاحب المشهد من مشاعر. فكل ما يُروى هنا اجتهاد يحتمل الصواب والخطأ.
ويؤثر السياق في المعنى، فالضوء اللطيف الهادئ حول الكعبة قد يُقرأ على أنه سكينة ووضوح، والضوء الباهر المبهر قد يعبّر عن مهابة وانبهار أمام عظمة المشهد. وإن كان الضوء يتوزع على المكان كله فقد يوحي بالشمول والاتساع، وإن كان يتركز في موضع واحد فقد يوحي بمركزية القصد. وللرائي أن ينتبه إلى شعوره، أكان بشاشة أم رهبة، فذلك أدل على القراءة المناسبة من أي قاعدة عامة.
وقد تتنوع القراءة بحسب الرائي، فالطالب قد يربط الضوء بوضوح ما يتعلمه، والموظف بوضوح ما يؤديه، وربة البيت بجو الألفة في بيتها. ومن كان في فترة حيرة قد يعبر الضوء عنده عن رغبة في اتضاح الطريق، ومن كان في فترة هدوء قد يكون الضوء امتدادًا لراحته. وهذه كلها احتمالات ظنية، لا تفرض على أحد، ولا تعد وعدًا بشيء. فالمعنى الأقرب هو ما يشعر الرائي أنه يوافق حاله بصدق.
ومن التفاصيل التي قد تُذكر لون الضوء وثباته وانبعاثه، فالضوء الأبيض الهادئ يميل إلى معاني الصفاء، والضوء الذهبي الدافئ إلى معاني الألفة، والضوء المتقطع قد يعبر عن تردد في الصورة الذهنية نفسها. وإن كان يشعر الرائي بأن الضوء يقترب منه فقد يرمز إلى استقبال معاني الطمأنينة. وكل ذلك رمزي ولا يتضمن خبرًا عن واقع. وليس المقصود حفظ قاعدة، بل ترك مساحة للتأمل.
ومن الناحية النفسية قد يظهر هذا المشهد لمن يتطلع إلى الاطمئنان بعد فترة من الاضطراب، أو لمن تأثر بقراءة أو منظر جميل أو حديث عن معاني الهداية. وقد يكون الضوء انعكاسًا لشعور داخلي بالأمل. وهذا ليس نصيحة طبية أو نفسية، فإذا لازم الحزن أو القلق صاحبه مدة طويلة فمن الحسن أن يتحدث مع مختص أو مع أحد أهله الثقات. فالنفس تحتاج إلى من يسمعها ويخفف عنها.
وقد جاء في الحديث الصحيح أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة (متفق عليه)، وفيه ما يذكّر بشأن الرؤيا الطيبة. وجاء بمعناه أنه إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبها فلا يحدّث بها إلا من يحب (متفق عليه). وفي ذلك أدب جميل، إذ يحفظ الرائي سكينته ولا يعرّض رؤياه لسوء فهم أو حسد أو اندفاع. والأفضل أن يبقى المشهد مصدر هدوء داخلي لا مادة للحديث الكثير.
وبعد هذا كله يبقى التفسير اجتهادًا بشريًا ظنيًا يحتمل الخطأ، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فليحسن الرائي الظن بربه وليسأله نورًا في القلب واستقامة في الطريق. وليجعل من هذا المشهد دافعًا هادئًا إلى صفاء النية والعمل بما يعلم، لا إلى الادعاء ولا التعلق بتأويل واحد. والله تعالى أعلم.
