أن يرى النائم الكعبة في مكان لا يتوقعه، كسوق أو حقل أو شارع أو مبنى مألوف، مشهد يثير الدهشة ويوحي بغرابة الصور في عالم الرؤى. والرؤيا في أصلها صورة رمزية يصنعها الذهن من الذاكرة والمشاعر، ولا يُجزم بأنها مكان حقيقي ولا يُدّعى بها شيء عن الرائي أو عن المكان. فينبغي أن يُقرأ المشهد بوقار وهدوء، وأن يُترك التعمق المفرط. وللأحلام قدرة على جمع ما لا يجتمع في اليقظة، وهذا من طبيعتها.
الكعبة في الرمز تدل على الاتجاه الواحد والأمن والحنين والمقصد والثبات، وحين تظهر في موضع غير متوقع فقد يُقرأ المشهد على أن هذه المعاني حاضرة في مواضع الحياة كلها، لا في موضع واحد. وقد يعبر عن أن المقصد الأسمى يلازم القلب أينما كان صاحبه، في عمله وبيته وطريقه. وقد يعبر أيضًا عن دهشة من اتصال معاني الإيمان بتفاصيل اليوم العادي. وكل ذلك قراءة رمزية عامة لا جزم فيها بشيء.
وقال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ (سورة البقرة، الآية 115). وفي الآية تذكير بأن الله تعالى له الأمكنة كلها، ولا يخلو منه موضع. ويراد بهذا الربط معنى عام هو أن القلب يستطيع أن يتوجه إلى الله في كل مكان، ولا تُجعل الآية تفسيرًا للحلم ولا تُسقط على رائي محدد. فهي تذكير بسعة رحمة الله وقربه من عباده أينما كانوا.
ذكر بعض المعبّرين أن المكان في الرؤيا يُحمل على حال صاحبه وما يتصل به، وأن المعظم إذا ظهر في غير موضعه تتعدد فيه الوجوه، فلا يُقطع فيه بمعنى. وذهب آخرون من المعبّرين إلى معان قريبة تتصل باختلاف دلالة المرئي بحسب موضعه، دون جزم ولا حسم. والمعبرون يتفقون على أن الاعتبار في تعبير الأحلام الغريبة بالمجموع، وأن الصور المتداخلة كثيرًا ما تكون من أثر الذهن لا من معنى مستقل. ولذلك فكل ذلك اجتهاد ظني يُؤخذ بحذر.
ويتغير المعنى بتغير السياق، فإن كان الموضع الغريب هادئًا والكعبة واضحة فيه فالأقرب أن المعنى يميل إلى حضور المقصد في كل حال. وإن كان الموضع صاخبًا أو مضطربًا فقد يعبر ذلك عن شعور بأن أمورًا كثيرة تتزاحم على القلب فتغطي ما هو أهم. وإن كان الرائي يتحير من وجودها فقد يُقرأ على أنه تفكر في العلاقة بين القيم الكبرى وتفاصيل الحياة. وللرائي أن يتذكر شعوره، فهو أدل على القراءة المناسبة.
وتتنوع القراءة بحسب الرائي، فمن يعمل في مكان مزدحم قد يرى المشهد تذكيرًا بأن معاني الخير يمكن أن تحضر في كل مكان. ومن يسافر كثيرًا قد يعبر عنده عن حنين إلى مقصد ثابت وسط تنقله. والطالب قد يربطه بأن العلم والعبادة لا يفترقان عن شؤون اليوم، وربة البيت قد ترى فيه أن بيتها محل لسكينة تُستحضر. وهذه احتمالات ظنية، ولا يُلزم بها أحد، ولكل إنسان أن يختار ما يناسب حاله.
ومن التفاصيل التي يحسن الانتباه إليها طبيعة المكان غير المتوقع، أهو مألوف للرائي أم مجهول، وحجم الكعبة فيه، وهل الناس حولها يستغربون كما يستغرب. فالمكان المألوف يميل إلى معنى القرب والألفة، والمجهول إلى معنى التطلع. وإن كانت الكعبة صغيرة فقد تُقرأ على أنها صورة ذهنية خفيفة، وإن كانت كبيرة فقد تُقرأ على مهابة المعاني. وليس للأحلام الغريبة معنى ثابت، فهي تُقرأ على سبيل التأمل لا الجزم.
ومن الجهة النفسية قد تظهر هذه الصورة نتيجة تداخل ما رآه الرائي قبل النوم من مناظر مختلفة، فالذهن يمزج بينها ويصنع مشهدًا فريدًا. وقد يعبر عن رغبة في استحضار المعاني الكبرى في تفاصيل الحياة. وهذا ليس نصيحة طبية أو نفسية، فإذا كثرت الأحلام الغريبة المزعجة أو أثّرت في النوم والعمل فمن الحسن أن يتحدث صاحبها مع مختص أو مع أحد أهله. وتنظيم أوقات النوم وتخفيف المشاهد المثيرة قبله ينفع كثيرًا.
وقد جاء في الحديث الصحيح أن الرؤيا من الله والحلم من الشيطان (رواه البخاري ومسلم)، وفي هذا ما يساعد على التمييز بين ما يترك سكينة وما يترك ضيقًا أو اضطرابًا. فالأحلام الغريبة المتداخلة قد تكون من حديث النفس، وما كان كذلك فلا يُشغل به. وإن ترك المشهد في الصدر طمأنينة فليحمد الله وليحسن الظن. والقاعدة أن الرؤيا لا تُبنى عليها قرارات ولا تُستخرج منها أخبار.
وبعد هذا كله يبقى التفسير اجتهادًا بشريًا ظنيًا يحتمل الخطأ، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فليحسن الرائي الظن بربه وليسأله أن يجعل قلبه متجهًا إلى الخير في كل موضع وحال. وليجعل من هذا المشهد تذكيرًا هادئًا بأن المقصد الأعلى يرافق القلب أينما كان، دون ادعاء ولا قلق. والله تعالى أعلم.
