الرؤيا صور رمزية تتألف من خواطر النفس وأحوالها، وليست خبرًا عما سيقع ولا قضاءً على أحد. ومن رأى في منامه أنه مسافر إلى الكعبة فقد رأى حركة رمزية نحو مقصد معظّم. والتعبير اجتهاد ظني تتفاوت فيه الأنظار، ولا يُبنى عليه قرار. والسفر في الحلم يُفسَّر بالمقصد والانتقال المعنوي، ولا يُفهم منه وعد بسفر فعلي أو توقع له. وعلى الرائي أن يستقبل التأويل بهدوء وتأمل ورفق بنفسه.
الكعبة رمز الاتجاه الواحد والوحدة والأمن والحنين والثبات، وهي مقصد تتجه إليه القلوب مهما تباعدت بلدانها. والسفر في لغة الرؤى كثيرًا ما يرمز إلى الانتقال من حال إلى حال أو من مرحلة إلى أخرى. فإذا اجتمعا في صورة واحدة، جاءت الدلالة العامة على حركة النفس نحو مقصد ثابت. وقد يعكس ذلك رغبة الرائي في الانتقال إلى مرحلة أصفى وأكثر وضوحًا. وهذه قراءة رمزية تبقى مفتوحة لاحتمالات أخرى بحسب حال كل رائٍ.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ (سورة البقرة، الآية 125). وفي الآية وصف للبيت بأنه مرجع يعود إليه الناس ومكان للأمن، وهو معنى قريب من رمزية العودة والمقصد. وليست الآية تفسيرًا لحلم محدد ولا تنزيلًا عليه، وإنما هي تذكير عام بمكانة البيت. وفي هذا ما يذكّر بقيمة وجود مرجع ثابت يرجع إليه الإنسان إذا اضطربت به الأحوال. ويبقى الحلم صورة نفسية لا يُقطع بدلالتها.
ذكر بعض المعبّرين، وفي المسألة خلاف بين أهل التعبير، أن السفر في المنام قد يُحمل على الانتقال من حال إلى حال بحسب القرائن. وذهب آخرون من المعبّرين إلى أن التوجه إلى مكان معظّم يُحمل في الجملة على السعي إلى الخير. ولا تُؤخذ هذه الأقوال على سبيل الجزم، فقد اختلف أهل التعبير في تفاصيلها. وليست فيها دلالة على سفر حقيقي ولا على حدث قادم. وهي إشارات عامة لا غنى فيها عن النظر في حال الرائي.
أثر السياق عظيم في هذا الحلم. فإذا كان السفر ميسرًا والقلب مطمئنًا، فالصورة أقرب إلى معنى الانتقال الهادئ نحو مقصد واضح. وإذا كان فيه تعب أو مشقة، فقد تعبّر عن جهد يبذله الرائي في أمر يهمه. وإذا كان السفر في رفقة، فقد يرمز إلى الإحساس بأن الطريق يُقطع مع من يحب. وإذا كان وحيدًا، فقد يرمز إلى حاجة إلى الخلوة وتفكير هادئ. ويبقى الشعور الغالب أول ما يُنظر فيه.
يختلف المعنى بحسب حال الرائي. فالمقيم في بلد واحد منذ سنين قد يعكس الحلم عنده شوقًا إلى تجديد وتغيير في الإيقاع. والغريب عن أهله قد يعكس حنينًا إلى الألفة والانتماء. والمتردد في اختيار وجهته قد ترمز الصورة عنده إلى رغبته في الحسم الهادئ. وهذه كلها احتمالات لا يقين فيها، فالحلم يتلون بحياة صاحبه.
وتفاصيل الحلم تضيف طبقات من المعنى. فهل كان الرائي يركب سيارة أم طائرة أم يمشي على قدميه؟ وهل كان الطريق مألوفًا أم غريبًا؟ وهل كانت الكعبة ظاهرة في نهاية الطريق أم بقيت بعيدة؟ كل ذلك يشير إلى أحوال النفس، فالمشي على القدمين قد يوحي بالتأني، والطريق المألوف قد يوحي بالطمأنينة، والغريب قد يوحي بالرغبة في الاكتشاف.
من الناحية العملية والنفسية، قد يكون الحلم دعوة إلى التفكير في المرحلة التي يريد الرائي الانتقال إليها في حياته: عادة يريد تركها أو علم يرغب في تحصيله أو علاقة يود إصلاحها. ويفيد أن يكتب خطوات صغيرة قابلة للتنفيذ بدل الأمنيات الكبيرة. ولا يُفهم من الحلم وعد بأي رحلة أو تنبؤ بها، فهو يتصل بمعنى المقصد. وتذكير مهم: الحلم ليس نصيحة طبية ولا نفسية، فإن استمر القلق أو الحيرة فمن المناسب الحديث مع مختص أو أحد الأهل.
وقد ورد في الحديث الصحيح أن الرؤيا الصالحة من الله والحلم من الشيطان (متفق عليه)، وأن من رأى ما يحب فلا يحدّث به إلا من يحب (متفق عليه بمعناه). وفي ذلك أدب في التعامل مع الرؤى، فلا يشغل الإنسان نفسه بما يزيد قلقه. والأعمال الصالحة في اليقظة، من صلة رحم وصدق وإتقان، هي الطريق الذي يُنظر إليه بجدية. وحين تصفو الوجهة في القلب يهون كثير من عناء الطريق.
وبعد هذا كله فالتعبير اجتهاد بشري ظني، يحتمل الصواب والخطأ ولا يبلغ اليقين. ويحسن بالرائي أن يدعو الله بالتوفيق وصلاح الحال، وأن يحسن الظن بربه في كل أمر. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا يُجزم بشيء مما سيكون. والله أعلم بالصواب.
