رؤية كسوة الكعبة في المنام مشهد جليل يلفت النظر إلى هيئة الستار الذي يكسو البيت، وهو من الصور التي تثير الوقار. والرؤيا في أصلها صورة رمزية يصنعها الذهن من الذاكرة والمشاعر، ولا يُجزم بأنها مكان حقيقي ولا يُدّعى بها شيء عن الرائي. فينبغي أن يُقرأ المشهد بهدوء ووقار، وأن يُحمل على معانيه العامة. وما يذكره المعبرون في الكسوة والستر قراءات تتغير بتغير الهيئة والسياق.
الكسوة في لغة الرموز تدل على الستر والتجمل والتعظيم، فاللباس عمومًا يرمز إلى الحال والمكانة والستر. وإذا كانت الكسوة على الكعبة، وهي رمز الاتجاه الواحد والأمن والحنين والمقصد والثبات، فقد يُقرأ المشهد على أنه صورة لتعظيم المعاني الكبرى وإحاطتها بالجلال. وقد يعبر كذلك عن الوقار والاحتشام والجمال الهادئ. وكل ذلك قراءة رمزية عامة، ولا جزم فيها بشيء من الأحداث.
وقال الله تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ﴾ (سورة الأعراف، الآية 26). وفي الآية ذكر للباس المعنوي الذي هو التقوى، وفيه ما يذكّر بأن الجمال الباطن أولى بالعناية من الظاهر. ويراد بهذا الربط معنى عام هو قيمة الستر والاحتشام والتقوى في الوجدان الإيماني. ولا تُجعل الآية تفسيرًا للحلم ولا تُنزّل على رائي محدد، فهي تذكير للقلب بقيمة الجمال المعنوي.
ذكر بعض المعبّرين أن اللباس في الرؤيا يُحمل على الدين والحال والستر بحسب هيئته ونظافته وجماله، وتختلف الأقوال في تفاصيل ذلك. وذهب آخرون من المعبّرين إلى معان قريبة تتصل بكون الثوب الحسن النظيف يدل على الستر والقدر الحسن، دون جزم ولا تحديد لأمر بذاته. وتحتمل الكسوة المعظمة بطبيعتها وجوهًا أرفع، لكنها تبقى صورة ذهنية لا تعطي يقينًا. ولذلك فكل ما يُروى اجتهاد يحتمل الصواب والخطأ.
وللسياق أثر كبير في القراءة، فإذا كانت الكسوة نظيفة جميلة متناسقة فالأقرب أن المعنى يميل إلى الستر والجمال والهدوء. وإن كانت مضطربة أو غير واضحة فقد تعبر عن حيرة في التفاصيل. وإن كان الرائي يمس أطرافها بأدب فقد يُقرأ على حرصه على القرب من المعاني الكبرى، وإن كان ينظر إليها من بعيد فقد يُقرأ على أنه تأمل. والشعور المصاحب أول دليل على القراءة المناسبة، فليتذكره الرائي.
وتتنوع القراءة بحسب الرائي، فربة البيت قد ترى في الكسوة معنى الستر والحفظ لأسرتها، والعامل قد يربطها بحرصه على سمعة طيبة. والطالب قد يربطها بالأدب والوقار في طلب العلم، ومن يعتني بالأناقة قد يتأثر المشهد عنده بحسه الجمالي. وهذه كلها احتمالات ظنية لا تُفرض على أحد، ولكل رائي أن يقدر ما يوافق حاله وصدق نيته.
ومن التفاصيل التي يحسن الانتباه إليها لون الكسوة وزخرفتها وهدوئها، ومدى إحاطتها بالبيت. فاللون الداكن الوقور قد يُقرأ على أنه مهابة وسكينة، والزخرفة الدقيقة قد تُقرأ على أنها عناية وتجمل. وإن كانت مرتفعة في بعض الجوانب فقد يُقرأ ذلك على أنه انكشاف لأمر مستور بلطف. وليس لهذه الاحتمالات سلطان على الواقع، فهي مفاتيح للتأمل. ويحسن أن يدوّن الرائي ما رآه ويقرأه بذهن صاف.
ومن الجهة النفسية قد تظهر هذه الصورة عند من يحرص على الستر والاحتشام في حياته، أو عند من تأثر بمنظر جميل لكسوة أو نسيج. وقد يعبر المشهد عن رغبة في العناية بالجمال المعنوي. وهذا ليس نصيحة طبية أو نفسية، فإذا لازم القلق صاحبه أو انشغل ببعض الأفكار المتكررة فمن الحسن أن يتحدث مع مختص أو مع أحد أهله الثقات. والكلام الصادق مع أحد الثقات يخفف كثيرًا من الثقل. ويحسن كذلك أن يتذكر الرائي أن جمال المشهد لا يُحمّل فوق طاقته، وأن العناية بالستر والخلق الحسن تُطلب في اليقظة بالعمل الهادئ والنية الصادقة.
وقد جاء في الحديث الصحيح أن الرؤيا من الله والحلم من الشيطان (رواه البخاري ومسلم)، وفي هذا ما يساعد الرائي على قياس أثر المشهد في نفسه. فإن ترك المشهد سكينة فليحمد الله ويحسن الظن، وإن ترك ضيقًا فليستعذ بالله منه ولا يشغل نفسه به. والأصل في الرؤى الجميلة أن تُقابل بالشكر والأدب. فلا تكون الرؤيا مجالًا للتفاخر ولا للتأويل المتكلف.
وبعد هذا كله يبقى التفسير اجتهادًا بشريًا ظنيًا يحتمل الخطأ، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فليحسن الرائي الظن بربه وليسأله الستر والتقوى وحسن الخلق. وليجعل من هذا المشهد تذكيرًا هادئًا بقيمة الوقار والجمال المعنوي، دون ادعاء ولا قلق. والله تعالى أعلم.
