رؤية الميزاب في المنام مشهد يلفت النظر إلى مجرى الماء الذي يعلو جدار البيت المعظم، وهو من الصور التي تحمل معاني الصفاء والرحمة. والرؤيا في أصلها صورة رمزية يصنعها الذهن من الذاكرة والمشاعر، ولا يُجزم بأنها مكان حقيقي ولا يُدّعى بها شيء عن الرائي أو عن مطر أو غيره. فينبغي أن يُقرأ المشهد بهدوء ووقار. وما يذكره المعبرون في المجاري والماء قراءات تتغير بتغير الصورة.
الميزاب في لغة الرموز يدل على القناة التي ينساب منها الخير من علو إلى سفل، فهو واسطة تنقل الماء ولا تحبسه. والماء عمومًا يرمز إلى الحياة والنقاء والنفع في أكثر القراءات. وإذا ظهر الميزاب في الكعبة، وهي رمز الاتجاه الواحد والأمن والحنين والمقصد والثبات، فقد يُقرأ المشهد على أنه صورة لتدفق المعاني الطيبة من مصدر ثابت. وكل ذلك قراءة رمزية عامة لا جزم فيها ولا ربط بحدث.
وقال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ (سورة الأنبياء، الآية 30). وفي الآية تذكير بمكانة الماء في الحياة، وفيها ما يوقظ في القلب شكر النعمة. ويراد بهذا الربط معنى عام هو قيمة الماء والشكر عليه، ولا تُجعل الآية تفسيرًا للحلم ولا تُنزّل على رائي محدد. فهي تذكير هادئ بأن أصل الأشياء الحية يرجع إلى نعمة يسيرة عظيمة الأثر.
ذكر بعض المعبّرين أن الماء الجاري الصافي في الرؤيا يُحمل في الغالب على السعة والنفع، وأن تغير حاله يتبعه تغير في القراءة، وتختلف الأقوال بحسب موضعه وهيئته. وذهب آخرون من المعبّرين إلى أن الماء النازل من علو قد يُقرأ على معان تتصل بالنفع العام الوارد من جهة رفيعة، دون جزم ولا حسم. ويتفق المعبرون على أن المجرى يتبع حال مائه ومصدره. ولذلك فكل ما يُروى اجتهاد يحتمل الصواب والخطأ.
ويؤثر السياق في المعنى، فإذا كان الماء صافيًا منسابًا بهدوء فالأقرب أن المعنى يميل إلى الصفاء والاعتدال والنفع. وإن كان غزيرًا مندفعًا فقد يعبر عن كثرة مشاغل أو أفكار تتدفق على الرائي دفعة واحدة. وإن كان قليلًا متقطعًا فقد يُقرأ على أنه حاجة إلى تأنٍّ وصبر، لا أكثر. وإن كان الرائي واقفًا تحته مستبشرًا فقد يُقرأ على استقبال هادئ للمعاني الطيبة. والشعور المصاحب للمشهد أول دليل على القراءة المناسبة.
وتتنوع القراءة بحسب الرائي، فالمزارع قد يربط الماء بعمله وأرضه، والطالب قد يربطه بما يتدفق من العلم في سنواته الدراسية. وربة البيت قد تربطه بنظافة بيتها وصفاء أجوائه، ومن كان يشتاق إلى مكان بعيد قد يعبر المشهد عنده عن حنين ممتزج بالصفاء. وهذه كلها احتمالات ظنية لا تُفرض على أحد، فكل إنسان أعرف بحاله وبما يشغل قلبه.
ومن التفاصيل التي يحسن الانتباه إليها ارتفاع الميزاب ولونه، وهل يتدفق منه ماء أم هو جاف، وهل الماء ينزل في ضوء أم في ظل. فالماء المتدفق في الضوء قد يُقرأ على أنه نقاء ظاهر، والميزاب الجاف قد يُقرأ على ترقب هادئ. وإن صاحب المشهد مطر فقد يُقرأ على معنى الرحمة العامة، دون ربطه بمطر حقيقي. وكل ذلك مفاتيح للتأمل لا تتضمن خبرًا، ويحسن أن يدوّن الرائي ما رأى ويقرأه لاحقًا بذهن صاف.
ومن الجهة النفسية قد تظهر هذه الصورة عند من يشتاق إلى صفاء داخلي بعد مرحلة مرهقة، أو عند من تأثر بمنظر مطر أو مجرى ماء أو صورة للبيت المعظم. وقد يعبر المشهد عن رغبة في أن تنساب الأمور بسلاسة. وهذا ليس نصيحة طبية أو نفسية، فإذا تكرر القلق أو اشتد الانزعاج فمن الحسن أن يتحدث صاحبه مع مختص أو مع أحد أهله الثقات. وتنظيم اليوم وإعطاء النفس حقها من الراحة يخففان كثيرًا مما يثقلها. ويحسن كذلك أن يتذكر الرائي أن نقاء القلب يُطلب في اليقظة بحسن الخلق وصدق النية، وبمجالسة من يذكّر بالخير ويهدئ النفس.
وقد جاء في الحديث الصحيح أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة (متفق عليه)، وفي ذلك ما يوجب احترام الرؤيا الطيبة مع ترك المبالغة في تتبعها. فمن رأى مشهدًا حسنًا فليحمد الله عليه، وليمض في يومه بقلب مطمئن. وأما كثرة الأسئلة عن كل تفصيل فليست مطلوبة. فالمقصود أن يزداد الرائي شكرًا وسكينة وعملًا صالحًا.
وبعد هذا كله يبقى التفسير اجتهادًا بشريًا ظنيًا يحتمل الخطأ، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فليحسن الرائي الظن بربه وليسأله الصفاء والسكينة في أمره كله. وليجعل من هذا المشهد تذكيرًا هادئًا بقيمة النقاء وشكر النعم، دون ادعاء ولا قلق. والله تعالى أعلم.
