الرؤيا صور رمزية تتألف من خواطر النفس وهمومها وآمالها، وليست خبرًا عن الغد ولا قضاءً على أحد. ومن رأى مجسم الكعبة في منامه فقد رأى المقصد في هيئة صغيرة يمكن أن تُحمل في اليد أو توضع على طاولة. والتعبير اجتهاد ظني تتفاوت فيه الأنظار، ولا يُبنى عليه قرار في الحياة. والمجسم في الحلم قد يكون شيئًا رآه الرائي من قبل أو لم يره، وليس دليلًا على شيء. وما يُذكر هنا قراءة هادئة حول معاني التصور والتقريب والمقصد، لا حول شيء مما يُقتنى. وعلى الرائي أن يستقبلها بطمأنينة.
الكعبة رمز الاتجاه الواحد والوحدة والأمن والحنين والثبات والمقصد. والمجسم في لغة الرؤى قد يرمز إلى تقريب الفكرة الكبيرة وتصغيرها لتصبح في متناول الذهن، وقد يرمز إلى دراسة المعنى أو تمثله. فإذا اجتمعا، جاءت الدلالة العامة على مقصد كبير يُقرّب إلى الوعي ويُتأمل بهدوء، وعلى رغبة في أن يفهم الإنسان ما يحبه ويستوعبه. وقد تعكس الصورة شوقًا إلى المقصد ولو في صورة مصغرة. وهذه قراءة رمزية تحتمل غيرها بحسب ألوان المشهد وشعور الرائي.
وفي الجملة تبقى دلالة صورة المجسم دلالة رمزية عامة تعبّر عن تقريب لمعنى كبير في صورة صغيرة. وإن شعر الرائي بارتياح فليحمد الله عليه ثم يمضي إلى شأنه بهدوء. وتبقى المعاني المأخوذة معاني نفسية عامة تقبل الاجتهاد ولا تقبل القطع. وهذه كلها قراءات عامة تتسع لأكثر من وجه، ولا تقوم دليلا على أمر بعينه. فالأحلام في الغالب تتأثر بما يمر بالإنسان في يقظته من مشاعر وخواطر وصور. ويبقى الحلم صورة رمزية لا تُقاس بها الأعمال.
ذكر بعض المعبّرين، وفي المسألة خلاف بين أهل التعبير، أن ما يُرى مصنوعًا مثالًا لشيء في المنام قد يُحمل على الشبه والتمثيل بحسب القرائن، فيُفسَّر بما يمثله لا بذاته. وذهب آخرون من المعبّرين إلى أن الأشياء المصنوعة في الرؤى تتصل بما يعمل فيه الرائي فكره وبما يشتغل به قلبه. ولا تُؤخذ هذه الأقوال على سبيل الجزم، فقد اختلف فيها المعبّرون. وهي إشارات عامة لا تدل على حدث قادم.
أثر السياق عظيم في هذا الحلم. فإن كان المجسم متقن الشكل جميلًا والقلب مطمئنًا، فالصورة أقرب إلى معنى الأنس والإعجاب الهادئ. وإن كان بسيط الصنع، فقد تعبّر عن صدق التصور وبساطة الفهم. وإن كان الرائي يحمله بين يديه، فقد ترمز إلى تعلق شخصي ورغبة في الاقتراب من المعنى. وإن كان مكسورًا أو ناقصًا، فقد تعبّر عن شعور بأن الفكرة لم تكتمل في النفس بعد، ولا يعني ذلك نقصًا في شيء.
يختلف المعنى بحسب حال الرائي. فمن كان طالب علم أو معلمًا، قد تعبّر الصورة عن شغفه بتقريب المعاني. ومن كان بعيدًا عن الأماكن التي يحبها، قد ترمز إلى حنينه إلى ما يألف. ومن كان يحب الأعمال اليدوية، قد تعبّر عن ميله إلى تجسيد ما في قلبه. وليس لأحد منهم معنى مقرر سلفًا، فالحلم مرآة لحاله.
وتفاصيل الحلم تضيف طبقات من المعنى. فمن أي مادة كان المجسم، خشب أو معدن أو غير ذلك؟ وهل كان صغيرًا أم كبير الحجم؟ وهل كان مضاءً أم معتمًا؟ وهل كان على رف أم في اليد أم في مكان عام؟ هذه التفاصيل تشير إلى أحوال النفس، فالخشب يوحي بالدفء، والمعدن يوحي بالثبات، والمكان العام يوحي بالمشاركة. وكلها تفاصيل رمزية لا أكثر.
من الناحية العملية والنفسية، قد يكون الحلم دعوة إلى أن يقرّب الإنسان المعاني الكبيرة إلى حياته اليومية بخطوات صغيرة: قراءة قصيرة أو ذكر ثابت أو وقت هادئ مع النفس. ويفيد أن يهتم بالمعنى أكثر من الشكل. ولا يُفهم من الصورة وعد بشيء أو تنبؤ به. وتذكير مهم: الحلم ليس نصيحة طبية ولا نفسية، فإن استمر القلق أو الأرق فمن المناسب الحديث مع مختص أو أحد الأهل.
وقد ورد في الحديث الصحيح أن الرؤيا الصالحة من الله والحلم من الشيطان (متفق عليه)، وأن من رأى ما يكره فليستعذ بالله من شرها ولا يحدّث بها أحدًا فإنها لن تضره (متفق عليه بمعناه). وفي هذا تخفيف عن النفس وردّ للأمر إلى الله. والمجسم في الأحلام ليس الشيء نفسه، وإنما هو إشارة إليه، والقلب يتعلق بالمعنى لا بالصنعة. ومن أحسن الظن بربه وجد في ذكره ما يغنيه عن كثير من الرموز.
وبعد هذا كله فالتعبير اجتهاد بشري ظني، يحتمل الصواب والخطأ ولا يبلغ اليقين. ويحسن بالرائي أن يدعو الله بزيادة العلم وسكينة القلب، وأن يحسن الظن بربه. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا يُجزم بشيء مما سيكون. والله أعلم بالصواب.
