الرؤيا صور رمزية تتألف من خواطر النفس وهمومها وآمالها، وليست خبرًا عن الغد ولا قضاءً على أحد. ومن رأى لوحة الكعبة في منامه فقد رأى المقصد في إطار من الفن والتأمل. والتعبير اجتهاد ظني تتفاوت فيه الأنظار، ولا يُبنى عليه قرار في الحياة. واللوحة في الحلم قد تكون شيئًا رآه الرائي من قبل أو لم يره، وليست دليلًا على شيء. وما يُذكر هنا قراءة هادئة حول معاني الجمال والتأمل والحنين، لا حول شيء مما يُقتنى. وعلى الرائي أن يستقبلها بطمأنينة.
الكعبة رمز الاتجاه الواحد والوحدة والأمن والحنين والثبات والمقصد. واللوحة في لغة الرؤى قد ترمز إلى الجمال والتعبير الراقي عن المعاني، وإلى ما يثبت في الوجدان من صور، وإلى نظرة الإنسان الخاصة إلى الأشياء. فإذا اجتمعا، جاءت الدلالة العامة على مقصد يُتأمل في صورة جميلة هادئة، وعلى رغبة في أن يبقى المعنى حاضرًا أمام النظر. وقد تعكس الصورة شوقًا هادئًا أو ميلًا إلى السكينة التي يمنحها الجمال. وهذه قراءة رمزية تحتمل غيرها بحسب ألوان المشهد وشعور الرائي.
قال الله تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ (سورة قريش، الآيتان 3 و4). وفي الآيتين ذكر للبيت وللأمن وللرزق، وهي من الآيات التي يستحضرها المؤمن عند ذكر البيت. وليست الآيتان تفسيرًا لحلم محدد ولا تنزيلًا عليه، وإنما هما تذكير عام بمعنى الأمن والطمأنينة. وفي هذا ما يذكّر بقيمة أن يستحضر الإنسان نعم الأمن في يومه. ويبقى الحلم صورة رمزية لا تُقاس بها الأعمال.
ذكر بعض المعبّرين، وفي المسألة خلاف بين أهل التعبير، أن ما يُرى مرسومًا أو منقوشًا في المنام قد يُحمل على الشبه والتمثيل بحسب القرائن، فيُفسَّر بما يمثله لا بذاته. وذهب آخرون من المعبّرين إلى أن ما يُرى في الرؤى من أشكال فنية يتصل بما في نفس صاحبها من معان وتصورات. ولا تُؤخذ هذه الأقوال على سبيل الجزم، فقد اختلف فيها المعبّرون. وهي إشارات عامة لا تدل على حدث قادم.
أثر السياق عظيم في هذا الحلم. فإن كانت اللوحة جميلة الألوان والقلب مطمئنًا، فالمعنى أقرب إلى الأنس والتأمل الهادئ. وإن كانت اللوحة قديمة باهتة، فقد تعبّر عن ذكرى بعيدة أو عن حنين إلى زمن مضى. وإن كانت معلقة في موضع مهيب، فقد ترمز إلى مكانة المعنى في وجدان الرائي. وإن كان الرائي يرسمها بنفسه، فقد تعبّر عن رغبة في التعبير عن شوقه ومعانيه الداخلية.
يختلف المعنى بحسب حال الرائي. فمن كان محبًا للفن، قد تعبّر الصورة عن جانب جمالي في وجدانه. ومن كان بعيدًا عن الأماكن التي يحبها، قد ترمز إلى حنينه إلى ما يألف. ومن كان في زحام الأيام، قد تعبّر عن حاجته إلى مشهد هادئ يسكن عنده. وليس لأحد منهم معنى مقرر سلفًا، فالحلم مرآة لحاله.
وتفاصيل الحلم تضيف طبقات من المعنى. فهل كانت اللوحة زيتية أم مائية أم خطًا على الورق؟ وهل كانت ألوانها دافئة أم باردة؟ وهل كان إطارها بسيطًا أم مزخرفًا؟ وهل كانت في بيت أم في معرض أم في الطريق؟ هذه التفاصيل تشير إلى أحوال النفس، فالألوان الدافئة توحي بالأنس، والإطار البسيط يوحي بالصفاء، والمعرض يوحي بالمشاركة. وكلها تفاصيل رمزية لا أكثر.
من الناحية العملية والنفسية، قد يكون الحلم دعوة إلى أن يمنح الإنسان نفسه وقتًا لتأمل الجمال في يومه، وأن يتخذ من التأمل عادة هادئة تعيد إليه توازنه. ويفيد أن يهتم بالمعنى أكثر من الشكل، وأن يقترب من المعاني التي تهدأ بها نفسه. ولا يُفهم من الصورة وعد بشيء أو تنبؤ به. وتذكير مهم: الحلم ليس نصيحة طبية ولا نفسية، فإن استمر القلق أو الأرق فمن المناسب الحديث مع مختص أو أحد الأهل.
وقد ورد في الحديث الصحيح أن الرؤيا الصالحة من الله والحلم من الشيطان (متفق عليه)، وأن من رأى ما يكره فليستعذ بالله من شرها ولا يحدّث بها أحدًا فإنها لن تضره (متفق عليه بمعناه). وفي هذا تخفيف عن النفس وردّ للأمر إلى الله. واللوحة في الأحلام ليست الشيء نفسه، وإنما هي إشارة إليه، والقلب يتعلق بالمعنى لا باللون. ومن أحسن الظن بربه وجد في ذكره ما يغنيه عن كثير من الرموز.
وبعد هذا كله فالتعبير اجتهاد بشري ظني، يحتمل الصواب والخطأ ولا يبلغ اليقين. ويحسن بالرائي أن يدعو الله بالتوفيق وسكينة القلب، وأن يحسن الظن بربه. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا يُجزم بشيء مما سيكون. والله أعلم بالصواب.
