الرؤيا التي فيها الكعبة تستحق أن تُستقبل بوقار وهدوء، ومن رأتها وهي تمر بمرحلة خاصة من حياتها فقد يزيد أثرها في نفسها. والمرأة هنا تُعامل رائية كغيرها، فالتفسير يتناول رمزية الصورة وحدها. ولا يتضمن هذا المقال أي قول عن حالتها الجسدية أو عما ينتظرها. وهو اجتهاد في قراءة الرموز لا أكثر، يبتعد عن الجزم ويقترب من التأمل.
الكعبة في الوجدان رمز لاتجاه تتفق عليه القلوب، فهي الجهة التي يتوجه إليها المصلون في كل مكان. وهي رمز للأمن والسكينة، إذ يرتبط ذكرها بالطمأنينة والاحترام. وهي رمز للثبات في وقت تتغير فيه أحوال كثيرة. وهي رمز للحنين إلى مقصد يعلو على شواغل اليوم. وبهذه المفاتيح يمكن أن تُقرأ الصورة بعيدًا عن التحميل الزائد.
وتأتي أحاديث الرؤى بآدابها، فقد ورد في الحديث الصحيح بمعناه أن من رأى رؤيا يحبها فلا يحدّث بها إلا من يحب (متفق عليه). وفي هذا أدب جميل في التعامل مع الرؤى الطيبة، إذ يحسن أن تُحكى لمن يحب الخير لصاحبها ويفرح لها. وهذا الأدب لا يتضمن تفسيرًا للحلم ولا قولًا فاصلًا فيه، بل هو توجيه إلى لطف الحديث عن الرؤى. ويمكن للرائية أن تأخذ منه سكينة في طريقة تعاملها مع ما رأت.
جاء في كتب التعبير المتداولة أن البيت المعظَّم في المنام يُحمل على معنى الأمر الجامع الذي يقصده الناس. وذهب آخرون من المعبّرين إلى حمل الصورة على معاني القصد الصالح والثبات. والكتب تختلف في ألفاظها ونسبتها، فلا يُجزم بصحة عبارة محددة. وتبقى هذه الأقوال إشارات عامة يُنظر فيها بحذر.
وللسياق الذي تعيشه الرائية أثر في فهم الصورة، فالمرحلة التي تتبدل فيها الأيام والانشغالات قد تجعل القلب أكثر حاجة إلى معاني الثبات. فربما عبّرت الكعبة عن شوق إلى اتجاه واضح وسط كثرة التفكير. وربما كانت صدى لحاجة إلى الأمان والسكينة في أيام فيها تقلب ومشاعر متباينة. وهذا تأمل رمزي فقط، لا يخبر بشيء عن المستقبل.
ويختلف المعنى بحسب شخصية الرائية وطبعها، فمن كانت هادئة قد ترى الصورة امتدادًا لسكينتها. ومن كانت قلقة قد تراها بابًا إلى الطمأنينة الذي تتمناه. ومن كانت كثيرة الانشغال قد تراها تذكيرًا بالمقصد الأكبر الذي يبقى بعد الزحام. وهكذا يتلون المعنى بحسب النفس التي ترى ولا يقوم على الصورة وحدها.
وللتفاصيل مكانها: هل كانت الكعبة واضحة أم محجوبة بغبش، وهل أحاط بها هدوء أم زحام، وهل صحب المشهد شعور بالراحة أم بالرهبة. فالراحة تميل إلى معنى الطمأنينة، والرهبة إلى معنى التعظيم والوقار. وليس في الحلم ما يُنذر بشيء، فكل ذلك مشاعر تتشكل في النفس وقت النوم. ولا ينبغي أن تُحمَّل التفاصيل أكثر مما تحتمل.
ومن الزاوية العملية والنفسية، تستحق الرائية أن تعتني بنفسها وتطمئن قلبها بما تحب من الذكر والسكون وصحبة الأحباب. والحلم ليس نصيحة طبية ولا نفسية، ولا يغني عن استشارة أهل الاختصاص في شأن صحتها. وإن كان القلق مستمرًا فمن الحسن أن تتحدث مع طبيبها أو مع أحد أهلها الثقات. فالحديث الصريح مع المقربين يخفف عن النفس.
ولا يليق بالرائية أن تجعل الحلم مقياسًا لشيء مما تخشاه أو ترجوه، فالرؤيا لا تتحدث عن الغيب. والأولى أن تأخذ منها الجانب الجميل، وهو تذكّر معاني الأمن والاتجاه الواحد، ثم تمضي في يومها مطمئنة. وكثرة السؤال عن الرؤيا وتكرار تأويلها تُشغل القلب عما هو أنفع. وليكن الجواب الأخير حسن الظن بالله. ومما يحسن الالتفات إليه أن الصور المهيبة تمتزج في النوم بما يمر على الإنسان في يومه من أحاديث ومشاهد وأفكار، فقد يكون للحلم صلة بكلمة سمعتها الرائية أو بشعور مرّ بها في ساعة هدوء. وليس في هذا ما يُنقص من قدر الرؤيا ولا ما يرفعها فوق قدرها. والأجمل أن تحتفظ بالإحساس الطيب الذي صاحب المشهد، وأن تدع ما وراءه من التفاصيل دون إلحاح في طلبها. فالقلب الساكن يلتقط من المعاني ما لا تبلغه كثرة التفتيش. وفي الإقبال على الأمور بسكينة ما يكفي من الخير، ومن أحسن الظن بربه وجد في ذلك راحة تفوق كثرة التأويل، وتبقى الصورة الجميلة في الذاكرة هادئة بلا ثقل.
وتفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يعلم الغيب إلا الله. فلا يُرتَّب على هذا الكلام قرار ولا يُنتظر منه خبر. والمطلوب دعاء الله بالطمأنينة والتوفيق وصلاح الحال، وحسن الظن به سبحانه. وما كان في الحلم من معنى حسن فالحمد لله عليه، والله أعلم.
