قد يرى الإنسان في منامه الكعبة وقد اكتست السماء حولها بلون غير مألوف، فيستيقظ وفي نفسه دهشة وتساؤل. والرؤيا في أصلها صور تنسجها النفس من خواطرها ومشاعرها، وتلوّن المشاهد بما في القلب من ألوان. وما يلي قراءة رمزية عامة لا تقول شيئًا عن أمر قادم أو حال خاصة، وإنما تتأمل معنى الجو واللون المحيط بالصورة بهدوء يناسب مهابتها، وتحمله على أرحم تأويل ممكن.
الكعبة رمز الاتجاه الواحد الذي تتجه إليه القلوب، ورمز الثبات والأمن والسكينة. والسماء المحيطة بها تمثل في الرمز العام الأفق الذي تُرى به الأشياء، فهي بمثابة الجو النفسي الذي تأتي فيه الصورة. وحين يكون لونها غريبًا فإن الحلم يعبّر عن حال شعورية خاصة تلوّن الصورة المهيبة، كما تلوّن الأمزجة مشاهد اليقظة. وهذا تأمل رمزي فقط، لا يقتضي شيئًا في الواقع.
وقد ورد في الحديث الصحيح بمعناه أن الرؤيا من الله والحلم من الشيطان (متفق عليه). وإيراد هذا المعنى هنا للتوثيق العام في شأن الرؤى فقط، وليس تصنيفًا لهذا الحلم ولا ادعاءً بنوعه، ولا يُفهم منه أن اللون الغريب دليل على شيء من ذلك. وفي ذلك ما يذكّر بأن الأحلام تتفاوت في أصلها، وأن الأولى التعامل مع الصور الغامضة بهدوء وعدم الانشغال بتفاصيلها الدقيقة، وأن اللجوء إلى الله بالدعاء والذكر أولى من التخمين.
جاء في كتب التعبير المتداولة أن البيت المعظَّم يُحمل في المنام على معنى الأمر الجامع الذي يقصده الناس. وذهب آخرون من المعبّرين إلى حمل الصورة على معاني الثبات والقصد الحسن. وتتباين العبارات وتختلف النسبة بين الكتب، فلا يُجزم بلفظ محدد، ولا يوجد قول معتمد في لون السماء حول الكعبة تحديدًا. فالأولى أن تُعدّ هذه الأقوال إشارات عامة تُقرأ بحذر، لا نتائج يقينية ولا بشارات ولا إنذارات.
ولسياق الرائي أثر في فهم اللون، فمن كان يمر بأيام هادئة قد تأتيه الألوان ناعمة وهادئة. ومن كان مرهقًا قد تأتيه الألوان ثقيلة أو باهتة. ومن كان كثير التأمل قد يرى ألوانًا غريبة تعبّر عن خياله. وهذا تأمل رمزي فقط، فالألوان في الأحلام تتأثر بحال النفس وبما شاهده الإنسان في يومه، وبنوعية النوم وعمقه، ولا تحمل معنى ثابتًا يمكن الجزم به، ولا يُبنى عليها قول في الغيب.
وتتنوع الدلالة بحسب حال الرائي. فمن كان هادئ الطبع قد يرى اللون الغريب جماليًا يعبّر عن دهشته. ومن كان قلقًا قد يرى فيه امتدادًا لقلقه، وهذا لا يعني أن شيئًا سيحدث. ومن كان مشغول الفكر قد يرى فيه خلطًا من صور اليوم. ولا ينبغي أن يُفسَّر اللون بما يخيف أو يحزن، فالحال النفسي هو الذي يمنح الصورة معناها، وليست الصورة هي التي تحدد حاله أو تخبر عن شيء.
وللتفاصيل مكانها في القراءة: هل كان اللون هادئًا أم صارخًا، وهل بدت الكعبة ثابتة وواضحة أم تأثرت بالجو، وهل أحس الرائي براحة أم باضطراب، وهل زال اللون أم استمر. فالهدوء يميل إلى معنى السكينة، والاضطراب يميل إلى حاجة النفس إلى طمأنة، وثبات الكعبة وسط الألوان يميل إلى معنى الثبات حين تتغير الأحوال. وكلها قراءات نفسية رمزية محتملة، لا وعود فيها ولا إنذارات.
ومن الناحية العملية والنفسية، يحسن لمن رأى هذه الصورة ألا يحمّل الألوان ما لا تحتمل، وأن يهتم بنومه وراحته وذكره ودعائه. وإن شعر بقلق من الصورة فليذكر الله وليهدأ، وليتحدث مع من يثق به. والحلم ليس نصيحة طبية ولا نفسية. وإن كان القلق أو اضطراب النوم مستمرًا فالأفضل أن يتحدث مع مختص أو مع أحد أهله الثقات، فالحديث الصادق يخفف الكثير من العبء ويعيد إلى النفس هدوءها.
ومما يحسن الانتباه إليه أن الألوان في الأحلام من أكثر عناصرها تقلبًا، وأن كثيرًا من الناس يرون مشاهد بألوان غير مألوفة دون أن يكون لذلك معنى في اليقظة. ولذلك لا ينبغي أن يُجعل لهذا التفصيل أهمية تفوق ما يحتمله. والأجمل أن يأخذ الرائي من الصورة هيبتها وثبات الكعبة فيها ثم يمضي إلى يومه برفق. وليكن حسن الظن بالله رفيقه، وليكن دعاؤه بالسكينة والطمأنينة زاده في كل وقت، فذكر الله يصفي النفس من تعلق بتفاصيل ليلية عابرة.
وتفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يعلم الغيب إلا الله. فلا يُبنى على هذا الكلام قرار ولا يُنتظر منه خبر. والمطلوب دعاء الله بالتوفيق والسكينة وصلاح الحال، وحسن الظن به سبحانه. وما كان في الحلم من معنى حسن فالحمد لله عليه، والله أعلم.
