رؤية الطواف وسط حشد كبير في المنام مشهد مهيب يتحرك فيه الكثيرون حول مركز واحد، وهو من الصور التي تثير الإحساس بالاجتماع. والرؤيا في أصلها صورة رمزية يصنعها الذهن من الذاكرة والمشاعر، ولا يُجزم بأنها مشهد حقيقي ولا يُدّعى بها شيء عن الرائي أو عن سفر أو عبادة. فينبغي أن يُقرأ المشهد بهدوء ووقار، دون تحميل له فوق ما يحتمل. ولا يُقصد بهذا التفسير الكلام في أمر من أمور العبادة.
الحشد في لغة الرموز يدل على الاجتماع والانتماء إلى جماعة، وقد يدل على الزحام وكثرة المشاغل بحسب الشعور المصاحب. وإذا كان الحشد حول الكعبة، وهي رمز الاتجاه الواحد والأمن والحنين والمقصد والثبات، فقد يُقرأ المشهد على أنه صورة لاجتماع الناس على وجهة واحدة مع اختلاف ألسنتهم وأحوالهم. وقد يعبر كذلك عن الشعور بالانتماء إلى جماعة أكبر. وكل ذلك قراءة رمزية عامة لا جزم فيها ولا ربط بحدث.
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (سورة الحجرات، الآية 10). وفي الآية تذكير بأخوة الإيمان الجامعة بين الناس على اختلاف أحوالهم. ويراد بهذا الربط معنى عام هو قيمة الألفة والتآخي في الوجدان الإيماني. ولا تُجعل الآية تفسيرًا للحلم ولا تُنزّل على رائي بذاته ولا تُستعمل لتقييم أحد، فهي تذكير هادئ بقيمة التآلف بين الناس.
ذكر بعض المعبّرين أن الجموع الكثيرة في الرؤيا تُحمل في الغالب على أحوال الناس وأحوال الجماعة وما يغلب عليها، وتختلف الأقوال بحسب هيئتها. وذهب آخرون من المعبّرين إلى معان قريبة تتصل بالاجتماع وكثرة الأتباع أو الأصحاب في موضع الخير، من غير جزم ولا تحديد. ويتفق المعبرون على أن الجمع في موضع معظم يُقرأ على وجوه أرفع، لكنه يبقى ظنيًا. ولذلك فكل ما يُروى اجتهاد يحتمل الصواب والخطأ.
ويؤثر السياق في المعنى، فإذا كان الحشد منتظمًا هادئًا والرائي مطمئنًا فالأقرب أن المعنى يميل إلى الألفة والاجتماع. وإن كان مزدحمًا شديدًا والرائي متضايقًا فقد يعبر عن كثرة المشاغل والمسؤوليات التي تحتاج إلى ترتيب. وإن كان الرائي يمضي مع التيار بسهولة فقد يُقرأ على أنه انسجام، وإن كان يجد صعوبة فقد يُقرأ على رغبة في مساحة أرحب. والشعور المصاحب للمشهد أول دليل على القراءة المناسبة.
وتتنوع القراءة بحسب الرائي، فالموظف قد يربط الحشد ببيئة عمله الكثيرة الأفراد، والطالب قد يربطه بزملائه ومجتمع دراسته. والمنفرد قد يعبر المشهد عنده عن شوق إلى الانتماء، ومن كان كثير المخالطة قد يعبر عنده عن حاجة إلى توازن بين الجماعة والخلوة. وهذه كلها احتمالات ظنية لا تُفرض على أحد، فكل إنسان أعرف بحاله وبما يسكن قلبه.
ومن التفاصيل التي يحسن الانتباه إليها كثافة الحشد وهدوءه، وهل الأصوات عالية أم خافتة، وهل يشعر الرائي بالأمان بين الناس أم بالضيق، وهل كان يرى الكعبة وسطهم. فالهدوء قد يُقرأ على أنه انتظام، والصوت الخافت على أنه سكينة جماعية. وإن كان الرائي يرى وجوهًا كثيرة غير مألوفة فقد يُقرأ على اتساع دائرة المعارف. ولا يُراد بذلك وعد أو خبر، وإنما هي مفاتيح للتأمل. ويحسن أن يدوّن الرائي ما رأى ويقرأه لاحقًا بذهن صاف.
ومن الجهة النفسية قد تظهر هذه الصورة عند من يحب الاجتماع ويستأنس بالجماعة، أو عند من كان يمر بأيام مزدحمة بالمهام والعلاقات. وهذا ليس نصيحة طبية أو نفسية، فإذا لازم القلق صاحبه أو اشتد عليه الضيق من الزحام فمن الحسن أن يتحدث مع مختص أو مع أحد أهله الثقات. ويحسن كذلك أن يتذكر الرائي أن التوازن يُطلب في اليقظة بتنظيم الوقت بين الناس والخلوة، وبطلب الراحة عند الحاجة.
وقد جاء في الحديث الصحيح بمعناه أن من رأى ما يكره فليستعذ بالله من شرها ومن شر الشيطان وليتفل عن يساره ثلاثًا ولا يحدّث بها أحدًا فإنها لن تضره (متفق عليه)، وفي هذا ما يطمئن الرائي إن أزعجه شيء. وأما ما كان هادئًا ترك في النفس سكينة فله أن يحمد الله عليه. والأدب ألا يجعل الرائي رؤياه ميزانًا لقيمته أو لقيمة غيره. فالأعمال الصالحة في اليقظة هي الأصل الثابت.
وبعد هذا كله يبقى التفسير اجتهادًا بشريًا ظنيًا يحتمل الخطأ، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فليحسن الرائي الظن بربه وليسأله الألفة بين القلوب والسكينة في كل جمع. وليجعل من هذا المشهد تذكيرًا هادئًا بقيمة الاجتماع على الخير والتآلف بين الناس، دون ادعاء ولا قلق. والله تعالى أعلم.
