حين يرى النائم الكعبة من نافذة فإن الصورة تجمع بين الإطار الضيق والمقصد العظيم، وهي مشهد يوحي بالتأمل. والرؤيا في أصلها صورة رمزية يصنعها الذهن من الذاكرة والمشاعر، ولا يُجزم بأنها مكان حقيقي ولا يُدّعى بها شيء عن حال الرائي أو عن أمر قادم. فينبغي أن يُستقبل المشهد بوقار وهدوء، وأن تُقرأ معانيه العامة دون مبالغة. وما يُذكر عن النافذة في كتب التعبير يتغير بتغير الحال والهيئة.
النافذة في لغة الرموز منفذ للنظر إلى ما وراء الجدار، وهي تدل على الاطلاع والتأمل ومحاولة رؤية ما هو بعيد. وإذا كان المرئي من خلالها الكعبة، وهي رمز للاتجاه الواحد والأمن والحنين والمقصد والثبات، فقد يُقرأ المشهد على أنه صورة لتطلع القلب إلى غاية كبيرة بينما يعيش صاحبه في حدود يومه. وقد يعبر كذلك عن حنين هادئ ينظر من بعيد دون أن يقتحم المكان. وكل ذلك قراءة رمزية عامة لا جزم فيها.
وفي الجملة تبقى دلالة النظر من النافذة دلالة رمزية عامة تعبّر عن نظرة هادئة إلى ما يشتاق إليه القلب من بعيد. وهذه كلها قراءات عامة تتسع لأكثر من وجه، ولا تقوم دليلا على أمر بعينه. فالأحلام في الغالب تتأثر بما يمر بالإنسان في يقظته من مشاعر وخواطر وصور. ولذلك يحسن أن يُنظر إلى المشهد نظرة هادئة بعيدة عن الجزم والتهويل. ويبقى الأهم في الحياة العمل الصالح وحسن الظن بالله والاعتدال في كل شأن.
ذكر بعض المعبّرين أن النظر من نافذة قد يُحمل في الرؤيا على معاني الاطلاع على الأمر والتطلع إليه، وتختلف الأقوال بحسب ما يُرى من خلالها. وذهب آخرون من المعبّرين إلى معان قريبة تتصل بما تدل عليه الأبواب والمنافذ من أسباب التواصل مع الخارج، من غير جزم ولا تحديد لحدث. وأهل التعبير يشددون على أن لكل مشهد سياقه، فلا يؤخذ معنى النافذة منفصلًا عن المرئي منها. وكل ما يُروى هنا اجتهاد يحتمل الصواب والخطأ.
ويتأثر المعنى بالسياق، فإذا كانت النافذة واسعة مضيئة والكعبة واضحة فيها فالأقرب أن يُقرأ المشهد على أنه انفتاح وسكينة وتطلع هادئ. وإن كانت النافذة ضيقة أو معتمة فقد يعبر ذلك عن شعور بمحدودية الأفق أو الحاجة إلى توسيعه. وإن كان الرائي يمد يده ليفتحها فقد يُقرأ ذلك على رغبته في الاقتراب أكثر من المعاني التي يحبها. وللرائي أن يتذكر شعوره، أكان شوقًا أم طمأنينة أم ترددًا.
وتتنوع القراءة بحسب الرائي، فمن يعمل في مكتب مغلق قد يرى في النافذة تعبيرًا عن حاجته إلى أفق أوسع. ومن يعيش بعيدًا عن أهله قد يرتبط عنده المشهد بالحنين إلى جو الأسرة. وربة البيت قد يعبر عندها عن نظرة هادئة إلى ما يتجاوز مشاغلها اليومية، والطالب قد يربطه بطموح يتطلع إليه. وهذه قراءات ظنية لا يُلزم بها أحد، فلكل نفس حالها.
ومن التفاصيل التي يحسن الانتباه إليها ارتفاع النافذة وإطارها وستارتها، وهل هي مفتوحة أم مغلقة. فالنافذة المفتوحة قد تُقرأ على أنها انشراح وتواصل، والمغلقة قد تُقرأ على أنها ترقب وتأمل من وراء حاجز. والستارة الخفيفة قد ترمز إلى هدوء، والزجاج النقي إلى وضوح. وليس لهذه المعاني سلطان على الواقع، وهي مفاتيح للتأمل. ويحسن أن يكتب الرائي ما رأى ثم يعود إليه بعد حين بذهن صاف.
ومن الجهة النفسية قد يظهر هذا المشهد عند من يشعر بأن بينه وبين أمر يحبه مسافة أو حاجزًا، فتتشكل الصورة على هيئة نافذة. وقد يكون أثرًا لحنين قديم أو لصورة شاهدها قبل النوم. وهذا ليس نصيحة طبية أو نفسية، فإذا لازم الشعور بالعزلة أو القلق صاحبه مدة طويلة فمن المناسب أن يتحدث مع مختص أو مع أحد أهله الثقات. وخطوة صغيرة نحو من يطمئن إليه خير من تحمل الثقل وحده.
وقد جاء في الحديث الصحيح أن الرؤيا من الله والحلم من الشيطان (رواه البخاري ومسلم)، وفي هذا ما يساعد الرائي على قياس أثر المشهد في نفسه. فإن كان المشهد قد ترك سكينة فليحمد الله ويحسن الظن، وإن ترك ضيقًا فليستعذ بالله منه ولا يشغل نفسه به. وعلى كل حال لا حاجة إلى الغوص في تفاصيل النافذة أكثر مما تحتمل. فالرؤيا ليست كتابًا يُحل رمزًا رمزًا.
وبعد هذا كله يبقى التفسير اجتهادًا بشريًا ظنيًا يحتمل الخطأ، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فليحسن الرائي الظن بربه وليسأله طمأنينة القلب وسعة الصدر. وليجعل من هذا المشهد دافعًا هادئًا إلى الاهتمام بما يقرّب القلب من الخير في يومه، دون ادعاء ولا قلق. والله تعالى أعلم.
