الرؤيا صور رمزية تتألف من خواطر النفس وهمومها وآمالها، وليست خبرًا عن الغد ولا قضاءً على أحد. ومن رأى الكعبة مع شخص معروف له في منامه فقد جمع في صورته مقصدًا ثابتًا مع وجه مألوف. والتعبير اجتهاد ظني تتفاوت فيه الأنظار، ولا يُبنى عليه قرار في الحياة. وصورة الشخص في الحلم هي صورة في ذهن الرائي، وليست الشخص الحقيقي ولا خبرًا عن حاله. وعلى الرائي أن يستقبل ما يلي بطمأنينة.
الكعبة رمز الاتجاه الواحد والوحدة والأمن والحنين والثبات والمقصد. والشخص المعروف في الأحلام يمثل في الغالب الأثر الذي يتركه في نفس الرائي أو الصفة التي يرتبط بها في ذهنه. فإذا اجتمعا، جاءت الدلالة العامة على اتجاه مشترك في المعاني أو على أنس بصحبة تذكّر بالمقصد. وقد تعكس الصورة شوقًا إلى أن يجد الإنسان من يشاركه همومه الكبيرة وأحلامه الهادئة. وهذه قراءة رمزية تحتمل غيرها بحسب شعور الرائي نحو ذلك الشخص.
وقد ورد في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا» (متفق عليه). وفي الحديث تصوير لمعنى التآزر والألفة بين الناس. وليس الحديث تفسيرًا لحلم محدد ولا تنزيلًا عليه، وإنما هو تذكير عام بقيمة الصحبة الطيبة. وفي هذا ما يذكّر بأن حضور الأحبة في الأحلام قد يكون صدى لما بينهم وبين الرائي من أنس. ويبقى الحلم صورة رمزية لا تدل على حال ذلك الشخص.
ذكر بعض المعبّرين، وفي المسألة خلاف بين أهل التعبير، أن رؤية الإنسان لمعارفه في المنام قد تُحمل على ما يتصل بهم في نفسه من معان بحسب القرائن. وذهب آخرون من المعبّرين إلى أن الأشخاص في الرؤى كثيرًا ما يكونون رموزًا لصفات أو لأحوال لا للأشخاص أنفسهم. ولا تُؤخذ هذه الأقوال على سبيل الجزم، فقد اختلف فيها المعبّرون. وهي إشارات عامة لا تدل على حدث قادم ولا تخبر عن أحد.
أثر السياق عظيم في هذا الحلم. فإن كان الشخص المعروف قريبًا من الكعبة مبتسمًا والقلب مطمئنًا، فالصورة أقرب إلى معنى الأنس والاتفاق في الاتجاه. وإن كان صامتًا أو بعيدًا، فقد تعبّر عن رغبة الرائي في مزيد من القرب أو الحوار معه. وإن كان بينهما تباعد في اليقظة، فقد تعبّر الصورة عن شوق إلى صفاء العلاقة. وإن كانا يمشيان معًا نحو الكعبة، فقد ترمز إلى مسار مشترك في المعاني.
يختلف المعنى بحسب حال الرائي. فمن كان يحمل مودة لذلك الشخص، قد تعبّر الصورة عن امتنانه لوجوده في حياته. ومن كان مشغولًا بعلاقة تحتاج إلى مراجعة، قد ترمز إلى حاجته إلى أرضية مشتركة. ومن كان في وحدة، قد تعبّر عن رغبته في صحبة طيبة. وليس لأحد منهم معنى مقرر سلفًا، فالحلم مرآة لحاله.
وتفاصيل الحلم تضيف طبقات من المعنى. فمن هو هذا الشخص بالنسبة للرائي؟ وهل كان قريبًا أم بعيدًا في اليقظة؟ وهل كان الحديث بينهما هادئًا أم كانا في صمت؟ وهل أضاءت الكعبة وجهه أم بقي في الظل؟ هذه التفاصيل تشير إلى أحوال النفس، فالحديث الهادئ يوحي بالألفة، والصمت يوحي بالتأمل، والضوء يوحي بالصفاء.
من الناحية العملية والنفسية، قد يكون الحلم دعوة إلى أن يتذكر الإنسان قيمة من يشاركه الطريق، فيرسل إليه كلمة طيبة أو دعاء بظهر الغيب إن شاء. ويفيد ألا يبني على الحلم رأيًا في ذلك الشخص ولا يستنتج منه شيئًا عن حاله. ولا يُفهم من الصورة وعد بشيء أو تنبؤ به. وتذكير مهم: الحلم ليس نصيحة طبية ولا نفسية، فإن استمر القلق أو الأرق فمن المناسب الحديث مع مختص أو أحد الأهل.
وقد ورد في الحديث الصحيح أن الرؤيا الصالحة من الله والحلم من الشيطان (متفق عليه)، وأن من رأى ما يكره فليستعذ بالله من شرها ولا يحدّث بها أحدًا فإنها لن تضره (متفق عليه بمعناه). وفي هذا تخفيف عن النفس وردّ للأمر إلى الله. والصحبة الطيبة نعمة تُشكر، وحسن الظن بالناس يريح القلب. ومن جعل بينه وبين من حوله مودة صادقة وجد في أيامه سندًا يخفف عنه عناء الطريق. وفي الحلم دعوة لطيفة إلى أن يلتفت الإنسان إلى من حوله من أحبة، وأن يشكر ما بين يديه من صحبة قبل أن يتطلع إلى ما ليس عنده. وكل كلمة طيبة تُقال بصدق تزرع في القلب أنسًا يبقى أثره.
وبعد هذا كله فالتعبير اجتهاد بشري ظني، يحتمل الصواب والخطأ ولا يبلغ اليقين. ويحسن بالرائي أن يدعو الله بالتوفيق وصلاح الأحوال لنفسه ولمن يحب، وأن يحسن الظن بربه. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا يُجزم بشيء مما سيكون. والله أعلم بالصواب.
