قد يرى الإنسان في منامه صورة الكعبة وفي قلبه قلق من أن يفوته أمر يحبه ويتمناه، فيستيقظ وفي نفسه أثر من الشوق والانشغال. والرؤيا في أصلها صور تنسجها النفس من خواطرها وأمانيها وما يشغلها في يقظتها، وليست خبرًا عن غيب. وما يلي قراءة رمزية عامة لا تقول شيئًا عن زيارة أو سفر أو ما يكون، وإنما تتأمل معنى الشعور وتحمله على أرحم تأويل ممكن، بهدوء يليق بمهابة الصورة.
الكعبة رمز الاتجاه الواحد الذي تتوجه إليه القلوب، ورمز الثبات والأمن والسكينة، ورمز الغاية الكبيرة التي يتشوق إليها الإنسان. والقلق من فواتها في الحلم صورة تعبّر عن حرص النفس على ما تحب، وعن خشيتها من أن يغيب عنها ما يعني لها الكثير. ولذلك يميل التأمل الرمزي إلى قراءة هذا القلق بوصفه حنينًا وحرصًا وتعلقًا بمعنى جميل، لا بوصفه تقصيرًا ولا حرمانًا ولا علامة على شيء من ذلك.
وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (سورة الطلاق، الآية 3). وفي الآية ما يذكّر بقيمة التوكل على الله وطمأنينة القلب إليه. وإيرادها هنا للتوثيق العام فقط، وليست تفسيرًا لهذا الحلم، ولا وعدًا بشيء يخص الرائي، ولا إسقاطًا على حاله. وفي هذا ما يذكّر بأن القلب إذا اشتد قلقه على ما يحب فخير ما يلجأ إليه الدعاء والتوكل وحسن الظن، مع الأخذ بالأسباب المشروعة في حياته.
جاء في كتب التعبير المتداولة أن البيت المعظَّم يُحمل في المنام على معنى الأمر الجامع الذي يقصده الناس. وذهب آخرون من المعبّرين إلى حمل الصورة على معاني الثبات والقصد الحسن. وتختلف العبارات والنسبة بين الكتب، فلا يُجزم بلفظ محدد في هذا الباب. فالأولى أن تُعدّ هذه الأقوال إشارات عامة تُقرأ بحذر، لا نتائج يقينية، ولا تُبنى عليها توقعات في أمر مما يشغل الرائي.
ولسياق الرائي أثر في هذه الصورة، فمن كان قد أمّل أمرًا كبيرًا قد تتحول أمنيته في منامه إلى مشهد مهيب يختلط فيه الشوق بالقلق. ومن كان مشغولًا بتفاصيل ترتيب أمر ما قد يعبّر عنه الحلم بصورة الخشية من الفوات. ومن كان يكثر التفكير فيما يحب قد تعكس رؤياه ذلك التعلق. وهذا تأمل رمزي فقط، ولا يتضمن قولًا في أي أمر مقبل ولا في تحقق أو عدم تحقق ما يتمنى.
وتتنوع الدلالة بحسب حال الرائي. فمن كان دقيقًا في تنظيم أموره قد يرى في القلق انعكاسًا لحرصه المعتاد. ومن كان عاطفيًا قد يرى فيه شدة الشوق. ومن كان متعبًا قد يرى فيه حاجته إلى طمأنة وهدوء. والحال النفسي هو الذي يمنح الصورة لونها، ولا ينبغي أن يُجعل القلق في الحلم دليلًا على واقع، فالقلق في المنام أكثر ما يكون صدى لقلق اليقظة، وهو معنى مألوف في كثير من الأحلام.
وللتفاصيل مكانها: هل كانت الكعبة ثابتة أمام الرائي أم بعيدة، وهل كان يتعجل أم يتمهل، وهل انتهى الحلم بقلق أم بسكون. فالتعجل يميل إلى معنى الحرص، والتمهل يميل إلى معنى الطمأنينة، والبعد يميل إلى معنى الاشتياق. وكلها قراءات نفسية رمزية محتملة، لا وعود فيها ولا إنذارات، ولا تدل على أن شيئًا سيتحقق أو يفوت، وعدم اكتمال الحلم أمر شائع جدًا في الأحلام عامة.
ومن الناحية العملية والنفسية، يحسن لمن شغله هذا القلق أن يكتب ما يهمه ويرتب أولوياته بهدوء، وأن يخفف من الإلحاح على نفسه، وأن يجعل للدعاء والذكر نصيبًا ثابتًا من يومه، وأن يتحدث مع من يثق به فيما يثقل صدره. والحلم ليس نصيحة طبية ولا نفسية. وإن كان القلق مستمرًا أو ثقيلًا فالأفضل أن يتحدث مع مختص أو مع أحد أهله الثقات، فالقلق إذا شُورك فيه خفّ، وإذا حُبس تضخم.
ومما يحسن الانتباه إليه ألا يتحول الحلم إلى مصدر ضغط جديد يضاف إلى ما في النفس. فالصورة جميلة في أصلها، وما فيها من شوق دليل على رقة القلب، لا على نقص فيه. وأجمل ما يؤخذ منها معنى التعلق بالجميل والحرص عليه، مع ترك العاقبة لله وحسن الظن به. وليتذكر الرائي أن ما يشغل القلب ليلًا قد يكون أخف نهارًا، وأن الهدوء بعد الاستيقاظ والشرب والحركة الخفيفة تعيد التوازن سريعًا، وأن كثرة التفكير في تفاصيل الحلم تضيف إليه ما ليس فيه.
وتفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يعلم الغيب إلا الله. فلا يُبنى على هذا الكلام قرار ولا يُنتظر منه خبر. والمطلوب دعاء الله بالتوفيق والسكينة وصلاح الحال، وحسن الظن به سبحانه. وما كان في الحلم من معنى حسن فالحمد لله عليه، والله أعلم.
