يقف الشاب في مرحلة تتزاحم فيها الأسئلة والخيارات، فإذا رأى صورة الكعبة في منامه شعر بأن في الأمر هيبة تستحق التوقف. والرؤيا لغة رموز تتكوّن من خواطر النفس وأشواقها وما اجتمع فيها من صور اليوم. وما يلي قراءة رمزية عامة، تتأمل المعاني ولا تخبر عن غيب ولا تَعِد بشيء. وهي قراءة تتوخى الهدوء والوقار، لأن الصورة نفسها مهيبة وتُستقبل بما يليق بها من السكينة.
الكعبة رمز الاتجاه الواحد، فالمصلون في بقاع الأرض يتجهون نحوها على اختلاف أعمارهم ولغاتهم. وهي رمز الثبات، فالبيت قائم في مكانه لا تغيّره الأيام. وهي رمز الأمن الذي تطمئن إليه القلوب، ورمز الحنين إلى مقصد يعلو على شواغل اليوم. وفي هذه المعاني ما يخاطب حاجة الشاب إلى وجهة واضحة وسط كثرة الطرق، ولكن من غير أن تُحمَّل الصورة قدرة على رسم طريق أحد.
وفي القرآن دعاء جامع يحفظه المسلمون ويرددونه، قال الله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (سورة الفاتحة، الآية 6). وهو دعاء بالهداية إلى الطريق المستقيم، وفيه معنى الاتجاه الواحد الذي ترمز إليه الكعبة في الوجدان. وإيراد الآية هنا للاستئناس بالمعنى العام فقط، وليست تفسيرًا لحلم شاب ولا ربطًا بين الصورة وطريق محدد. فالآية أعظم من أن تُنزَّل على تأويل منام.
جاء في كتب التعبير المتداولة أن البيت المعظَّم يُحمل في المنام على معنى الأمر الجامع الذي يقصده الناس. وذهب آخرون من المعبّرين إلى حمل الصورة على معاني القصد الحسن والثبات. وتتباين العبارات وتختلف النسبة من كتاب لآخر، فلا يُجزم بلفظ محدد ينسب إليهما. وتبقى هذه الأقوال مفاتيح عامة للتأمل، ينتفع بها القارئ من غير أن يجعلها قاعدة قاطعة.
ولحال الشاب أثر كبير في فهم الصورة، فهو في سن تتشكل فيها الاهتمامات وتُختبر فيها الاختيارات. فقد تكون الكعبة في منامه صدى لحاجة داخلية إلى بوصلة ثابتة تُرتَّب حولها الأولويات. وقد تكون تعبيرًا عن اشتياقه إلى قيمة كبيرة يلتفّ حولها الناس ويجد فيها انتماء. وهذه كلها تأملات رمزية، لا تتضمن قولًا في دراسته أو عمله أو ارتباطه أو سفره أو أي أمر آتٍ.
وتتغير الدلالة بتغير ما يعيشه، فمن كان حائرًا بين خيارات متعددة قد ترى نفسه في الصورة باحثًا عن اتجاه يطمئن إليه. ومن كان مستقرًا قد يراها امتدادًا لسكينة يعيشها. ومن كان متعبًا من ضغط الأصحاب والأقران قد يراها شوقًا إلى قيمة ثابتة لا تتبدل بتبدل الأهواء. فالحال هو الذي يمنح الصورة لونها، ولا يتشابه شابان في تأويل واحد تمامًا.
وتفاصيل المشهد تُقرأ بحذر: هل كان الشاب قريبًا من الكعبة أم يراها من بعيد، وهل كان المكان ساكنًا أم مزدحمًا، وهل صحب المنام شعور بالفرح أم بالرهبة. فالقرب يميل إلى معنى السكينة والطمأنينة، والبعد يميل إلى معنى الاشتياق أو مراجعة الاتجاه، والزحام يميل إلى معنى الجماعة والألفة. وكلها دلالات نفسية رمزية محتملة، لا أخبار عن واقع ولا إشارات إلى مصير.
ومن الناحية العملية والنفسية، قد يتخذ الشاب الحلم دعوة إلى جلسة صدق مع نفسه، يسأل فيها عن القيم التي تثبت حين تتغير الظروف، وعن الصحبة التي تأخذ بيده إلى الخير. ولا حرج في أن يستشير من يثق به من أهل أو أصدقاء أو معلمين. والحلم ليس نصيحة طبية ولا نفسية. وإن كان القلق أو الحيرة مستمرة فمن الحسن أن يتحدث مع مختص أو مع أحد أهله الثقات.
ومما يحسن الانتباه إليه أن الشباب أكثر عرضة لتأثر المنام بما يتابعه في يومه من أخبار ومقاطع وحوارات، فقد يكون للصورة صلة بما شاهده أو سمعه قبل النوم. وليس في هذا ما ينقص قيمتها ولا ما يضخمها. والأجمل أن يحتفظ بما فيها من هيبة وطمأنينة، ويدع ما سوى ذلك دون إلحاح. فكثرة البحث في الرموز قد تُشغله عما هو أنفع من عمل وعلم وصلة بأهله. ويحسن بالشاب أن يتذكر أن الحيرة في هذا العمر أمر طبيعي لا يدعو إلى الانزعاج، وأن كثيرًا من الناس مرّوا بمثلها ثم اتضحت لهم الأمور مع الأيام والمشورة والصبر. فلا ضرورة لأن يثقل على نفسه بتفسير كل صورة تمرّ به في نومه، وفي الاعتدال والهدوء راحة كبيرة للقلب والعقل معًا.
وتفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يعلم الغيب إلا الله. فلا يُبنى على هذا الكلام قرار ولا يُنتظر منه خبر. والمطلوب حسن الظن بالله ودعاؤه بالهداية والتوفيق وصلاح الحال. وما كان في الحلم من معنى حسن فالحمد لله عليه، والله أعلم بما في الصدور.
