قد يرى الإنسان في منامه سكينًا كانت بين يديه ثم تختفي فجأة، فيتساءل عن معنى هذا الاختفاء. والرؤيا في أصلها رموز تتفاوت دلالتها بتفاوت أحوال أصحابها وما يشغل أذهانهم. وما يُذكر في كتب التعبير اجتهاد بشري يحتمل الخطأ، ولا يُعد دليلًا على أمر قادم. والاختفاء المفاجئ للأشياء سمة مألوفة في الأحلام، وكثيرًا ما لا يعني أكثر من انتقال المشهد. وفيما يأتي معانٍ محتملة تُعرض على سبيل التأمل وحسن الظن.
يرتبط السكين في الرموز بالحسم والقطع، أي إنهاء أمر مؤجل أو الفصل بين خيارين. ويرتبط بالتحضير والمهارة، فهو أداة تُستعمل لتجهيز ما يلزم قبل البدء بالعمل. وقد يُفهم من حدته معنى الدقة في القول أو الوضوح في الرأي. وقد يذكّر بالحذر ووضع الحدود في التعامل مع الآخرين. وتختلف هذه المعاني بحسب الحالة التي يعيشها الرائي وما يشعر به في الحلم.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما رُوي عنه أن السكين قد تدل على أداة يُنجز بها المطلوب أو على قوة في الحجة وحسن في التدبير. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى معانٍ تتصل بالفصل في الأمور وإتمام الأعمال. وتتباين الروايات في هذه الأقوال ويصعب التثبت من ألفاظها الدقيقة. فالأولى أخذها بوصفها آراء قديمة لا قواعد حاسمة. ويظل النظر إلى حال الرائي وظروفه أقرب إلى الصواب من التعلق بعبارة منفردة.
للسياق أثر كبير في فهم الصورة. فإذا اختفت السكين من المطبخ أو من مكانها المعتاد، فقد تُقرأ على أنها صدى لانشغال بترتيب الأدوات أو البحث عن شيء ضائع. وإذا اختفت في مكان العمل، فقد تُربط بانتهاء مهمة أو بتغير في المسؤوليات. أما إذا اختفت في مكان غريب، فربما عبّرت عن انتقال إلى مرحلة لم تتضح معالمها. والشعور المصاحب للاختفاء، من ارتياح أو انزعاج، من أقوى القرائن في التأويل.
وفي حال السكين التي تختفي فجأة قد يرمز المشهد إلى زوال حاجة كانت ملحة، أو إلى انتهاء أمر كان يشغل الرائي. وقد يدل على انتقال الاهتمام من قرار إلى آخر دون حسم الأول. وقد يوحي بأن الرائي قد يحتاج إلى مراجعة ما أغفله أو أجّله. وقد يكون مجرد أثر من آثار الانتقال السريع بين مشاهد الأحلام. ولا يصح اعتبار اختفائها نذيرًا بخسارة أو ضياع، فالرموز لا تخبر بذلك.
وللتفاصيل أثر في التأويل. فإذا اختفت السكين بهدوء ودون أي ارتباك، فقد يُقرأ ذلك على أنه انتهاء سلس لأمر ما. وإذا بحث عنها الرائي طويلًا، فقد يعبّر ذلك عن رغبة في استعادة أداة أو وسيلة يحتاجها. وإذا اختفت وهي صغيرة، فقد يدل ذلك على أمر يسير زال، وإذا اختفت وهي كبيرة فعلى شأن أكبر تغيّر. ويفيد النظر إلى مكان الاختفاء ولونها دون إفراط في التعلق بالتفاصيل.
ومما يُستأنس به طريقة تصرف الرائي حين اختفت السكين. فإن استمر بهدوء في عمله، فقد يُقرأ ذلك على أنه قدرة على التكيف مع المتغيرات. وإن بحث عنها بصبر، فربما عبّر ذلك عن رغبة في ضبط أموره. وإن ارتاح لغيابها، فقد يعكس ذلك استعدادًا للتخفف مما يثقله. وهذه كلها قراءات احتمالية لا تنبئ بحدث مؤكد.
ومن الناحية النفسية، يعكس هذا الحلم غالبًا ما يعيشه الإنسان من تبدلات سريعة في أولوياته وظروفه. والعقل في النوم يستعمل صور الأشياء المألوفة وهي تظهر وتغيب ليعبّر عن تغير الاهتمامات. ومن المفيد أن يراجع الرائي قائمة أموره المعلقة، وأن يميز بين ما انتهى وما لا يزال بحاجة إلى حسم. وللراحة الكافية أثر في وضوح التفكير وتقليل التشتت. وهكذا يصير الحلم دعوة هادئة إلى المراجعة لا مصدرًا للقلق.
ويحسن تنبيه القارئ إلى أن الحلم ليس نصيحة طبية أو أمنية. وفي الواقع يلزم الحرص مع الأدوات الحادة، فيُحرص على إعادتها إلى مكانها المعتاد بعد كل استعمال حتى لا تضيع بين الأغراض. وتُحفظ في حامل مخصص بعيدًا عن الأطفال. وإذا لازم الحلم قلق متكرر يعكر النوم، فمن المناسب الاستعانة بشخص موثوق أو مختص. ولا يصح بناء ظن سيئ على رؤيا في حق أحد.
وفي الختام، كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصح الاعتماد عليه في أمر مصيري. ومن أحسن الظن بالله وجد في قلبه سكينة، فلعل الرؤيا خاطر عابر من خواطر النهار. وليكن دعاء الرائي أن يرزقه الله السداد والتوفيق ويصرف عنه كل همّ. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا ينبغي الاستعجال في الظنون. وتبقى الثقة بالله والسعي بالأسباب خير ما يُعتمد عليه.
