يحدث أن يرى الإنسان في منامه أنه يقسّم لحمًا بين جيرانه، فيجمع القطع ويضعها في أطباق أو أكياس ويطرق الأبواب واحدًا بعد آخر. وهي صورة من الحياة الاجتماعية الدافئة التي تحمل معاني الألفة والتقارب. ولا بد أن نقرر أن تفسيرها رمزي احتمالي لا يُحمل على الظاهر، فالجيران الذين يظهرون في المنام قد لا يقصد بهم جيران حقيقيون، واللحم الموزّع قد لا يمت إلى لحم حقيقي بصلة. وهو مشهد قد يصدر عن النفس، وقد تكون له دلالة يتأملها أهل التعبير.
وللجار في رموز الأحلام معنى مرتبط بالقرب والمحيط الاجتماعي القريب، فهو أول من يلقى الإنسان في بيته وطريقه. وإذا اقترن به اللحم، وهو في عرف كثيرين رمز للرزق والمال الذي يأتي بجهد، فقد يُقرأ الأمر على أنه حديث عن تبادل الخير والرزق بين الإنسان ومن حوله. ويرى بعضهم أن في ذلك إشارة إلى مودة قائمة أو يُرجى قيامها، وإلى ما قد يكون في الحي من علاقات طيبة. وهي قراءة رمزية لا تثبت بالجزم.
ونُسب إلى بعض مفسري الأحلام القدامى أن الإحسان إلى الجار والتودد إليه في المنام قد يدل على صلاح في الحال وسعة في الصدر، وذهب بعض من جاء بعدهم إلى أن مشاركة الطعام بين الناس قد تدل على ألفة بينهم. وقد اختلفوا في تفاصيل ذلك، ولم يصوغوا قاعدة محددة. ومن ثم فإن هذه النقول يُستأنس بها لا يُحتكم إليها، ويظل المعتمد حال الرائي وما في نفسه وما يحيط بحياته.
ويتغير المعنى بحسب السياق. فإذا كان التقسيم متساويًا عادلًا والجيران مسرورين فقد يدل على ارتياح وتوازن في العلاقات، وإذا كان هناك خلاف أو شعور بالحرج فقد يُقرأ على أنه توتر خفي أو رغبة في إصلاح ما بين الجيران. وإذا كان اللحم كثيرًا فقد يدل على سعة، وإذا كان قليلًا فقد يدل على قناعة. ولطريقة التقديم أثر كذلك، فالتقديم بلطف وابتسامة غير التقديم على عجل أو ضيق.
وللفتاة غير المتزوجة قد يُقرأ الحلم على أنه حسن اندماج في محيطها وعلاقات طيبة مع من حولها، وللمرأة المتزوجة قد يُقرأ على أنه عناية بصلتها بالجيران وحرص على راحة أسرتها في الحي. وللرجل قد يرتبط بمكانته بين من يعرفهم وبسمعته الطيبة، وللتاجر قد يوحي بتنمية علاقات قريبة قد تنفعه. وهذه قراءات ظنية متقلبة، يختلف أمرها من إنسان إلى آخر.
ومن التفاصيل الدقيقة من هم الجيران الذين ظهروا في الحلم، أهم معروفون أم مجهولون، وهل بينهم من كان بينه وبينك خلاف. فظهور جار مختلف معه قد يكون من أحاديث النفس التي ترغب في صفاء القلوب، أو من انشغال الذهن بذلك الخلاف. وقد يُلتفت أيضًا إلى مكان التقسيم، أهو في الشارع أم في بيت أم في ساحة، وإلى نوع الأوعية، فالنظيفة المرتبة قد توحي بحسن التدبير والنية الطيبة.
ومن الجانب النفسي والعملي، قد تعبّر هذه الرؤيا عن حنين إلى جوار صالح وعلاقات دافئة، أو عن رغبة في إصلاح ما فسد بين الجيران. ويستطيع الرائي أن يترجم ذلك إلى سلوك بسيط، كإلقاء التحية وتفقد من يحتاج إلى مساعدة وإهداء ما تيسر من طعام، دون تكلف ولا إسراف. فبهذه الأفعال الصغيرة تتقوى الروابط ويطمئن القلب، وتصبح الرؤيا ذكرى جميلة لا عبئًا.
وليحذر الإنسان من أن يرى في هذه الصورة حكمًا على جيرانه أو تفسيرًا لنواياهم، فالحلم لا يكشف ما في القلوب. وإذا ظهر فيها شيء من التوتر فليس ذلك دليلًا على سوء حقيقي، وإنما هو مجرد انعكاس قد يزول بالكلمة الطيبة والعمل الصالح.
وقد يستحضر بعض الناس عند هذا الحلم ما يحمله الحي أو الحارة من ذكريات، فالجيران في الذاكرة ليسوا أشخاصًا فحسب، بل هم جزء من طفولة وأصوات وروائح بيوت وأبواب كانت تُفتح بلا استئذان. ولذلك قد تكون الرؤيا شوقًا إلى زمن أبسط، أو إلى إحساس بالأمان كان يمنحه الحي لأهله. وهذا المعنى الوجداني قريب جدًّا من النفس وقد يكون أقوى من أي دلالة رمزية، فليأخذ الرائي منه ما يحثه على التواصل مع من يحب.
ومن اللطائف أن يلاحظ الرائي هل كان يوزع اللحم بنفسه أم كان غيره يفعل ذلك، فإذا كان هو المبادر فقد يُقرأ على أنه ميل إلى المبادرة بالخير، وإذا كان غيره فقد يُقرأ على أنه إحساس بأن في محيطه من يحسن إليه ويتفقده. وفي الحالتين تبقى الصورة جميلة، وليس فيها ما يدعو إلى القلق. ومن أراد أن يتعامل معها تعاملًا عمليًّا فليقرأ فيها دعوة إلى أن يتفقد جيرانه بالكلمة والسلام، وأن يسأل عن أحوالهم، فالقرب الإنساني من أبسط ما يزرع الطمأنينة.
وفي الختام فإن ما قيل في هذا الباب كله اجتهاد بشري ظني لا يصلح أن يكون أساسًا لأي قرار حقيقي. والأولى أن نقابل الرؤى بالدعاء وحسن الظن بالله، وأن نترك أمر الغيب إلى من يعلمه وحده، فالله سبحانه هو العليم بما كان وما يكون، وما نذكره في التعبير إنما هو تأمل محدود.
