من أشهر ما يراه الناس في هذا الباب لحم الضأن، وهو لحم الخروف والغنم الذي اعتاد الناس تقديمه في الولائم والمناسبات، وقد يراه الرائي نيئًا أو مطبوخًا أو معلقًا أو في طبق. وهذه الرؤيا مألوفة جدًا في ثقافتنا لما لهذا اللحم من مكانة في موائد الكرم. ومع هذا فإن تفسير الأحلام باب رمزي ظني، ولا يصح أن نجزم فيه بشيء. فنقرأ ما يُنقل عن المفسرين على أنه تأمل هادئ لا حكم ثابت.
ولحم الضأن في الأعراف يرتبط بالكرم والضيافة وبالطعام الذي يُقدَّم تقديرًا للضيف، ولذلك يحمل في الرمز معنى الرزق الطيب المقرون بالسخاء والمشاركة. وبعض المفسرين يقرؤه على أنه مال حسن أو منفعة قريبة، وبعضهم يربطه بالمكانة الاجتماعية والصلة بالأهل والناس. وفيه معنى القوة والعافية لأنه من اللحوم المعروفة بالغذاء. وتبقى دلالته متأثرة بحاله من نضج وطراوة ونظافة وبشعور الرائي تجاهه.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن لحوم الأنعام عمومًا قد تشير إلى مال ورزق، وأن لحم الغنم قد يُقرأ قراءة أقرب إلى الخير والمنفعة من بعض غيره. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الضأن قد يرتبط بالمال الحاصل بيسر ورفق، مع اختلاف الأقوال في تفاصيله. وهذه آراء ذهب إليها بعض المفسرين، وقد قرأ بعضهم لحم الضأن قراءة تختلف عن لحم البقر أو الطير دون أن يضعوا حدودًا قاطعة. فهي للاستئناس لا للجزم.
ويتغير المعنى بحسب التفاصيل، فلحم الضأن الأحمر الطري النظيف يوحي بالخير والصحة، أما إن كان دهنه كثيرًا أو كان فيه ما ينفّر فقد يُقرأ على أنه سعة تحتاج إلى اعتدال. وكونه مطبوخًا مع الأرز أو مشويًا أو مسلوقًا يضيف دلالة الاجتماع أو الأنس أو البساطة بحسب الحال. والكمية القليلة توحي بالقناعة والكثيرة بالسعة وحسن التوزيع. ومن قُدّم له اللحم يختلف عمن أعدّه بنفسه، وشعور الرائي من ارتياح أو ضيق قرينة مهمة.
وللفتاة غير المتزوجة، قد يُقرأ لحم الضأن الطيب على أنه إشارة إلى كرم أو مناسبة سعيدة تحيط بها، وقد يكون انعكاسًا لوليمة أو لقاء عائلي قريب. وإن رأته نظيفًا وهي مرتاحة فهو أقرب إلى معنى الأنس والخير، وإن رأته على غير حاله فلا يُعطى هذا تفسيرًا مقلقًا. وكل ذلك تأمل لا وعد فيه. والأولى أن تأخذ منه الرضا والسعي، وتحسن الظن بربها.
وللمرأة المتزوجة، قد يرتبط لحم الضأن بوليمة أو ضيافة أو تدبير مائدة عامرة للأهل، فيكون الحلم امتدادًا لما يشغلها من أمور البيت. ويُقرأ عند بعضهم على أنه رزق يُدبَّر للأسرة أو صلة مودة بين الأقارب. فإن كان طيبًا نظيفًا فهو أقرب إلى الطمأنينة، وإن كان مهملًا فقد يكون خاطرًا من تعب. ولا ينبغي أن يُجعل هذا الحلم أساسًا لحكم في شؤون الأسرة.
وللرجل أو التاجر، قد يُقرأ لحم الضأن على أنه كسب فيه كرم وسخاء أو منزلة اجتماعية يحتاج صاحبها إلى حسن التصرف فيها. وقد يكون الحلم صدى لدعوة أو وليمة أو لتفكير في ضيافة قريبة. فمن رآه كثيرًا فقد يُقرأ على أنه سعة تحتاج إلى حكمة، ومن رآه قليلًا فعلى أنه رزق يحتاج إلى قناعة. وهذا لا يُبنى عليه قرار تجاري، فالتجارة تُدار بالحساب والعقل.
ومن الدقائق التي تضيف تحديدًا لون اللحم وحاله وصاحبه، فاللحم الذي يُهدى من قريب يوحي بالصلة، والذي يُشترى من السوق يوحي بالسعي والكسب، والذي يُرى في بيت الغير يوحي بالخير من جهة بعيدة. كذلك رائحة اللحم، فالطيبة منها توحي بالراحة، وغير الطيبة قد تُقرأ على أنها انشغال يحتاج إلى تنقية. وكذلك العظم والدهن ومقدار اللحم الخالص، وكلها قرائن ثانوية لا يُجزم بها. والمعوّل عليه في الأخير الشعور العام بالرؤيا.
وللرؤيا جانب عملي نفسي، فهي تذكّر بقيمة الكرم وبأن الرزق الطيب إذا شورك فيه ازداد أثره الجميل. ويحسن بمن رآها أن يتحرى الكسب الحلال بالسعي الشريف، وأن يتذكر من حوله ممن يحتاج إلى طعام أو مودة. وهي دعوة إلى الاعتدال في الولائم وعدم المبالغة فيها، وإلى شكر النعمة بالأعمال. وبهذا تتحول الرؤيا إلى مناسبة للإحسان.
وفي الختام، فإن هذا اجتهاد بشري ظني قد يخطئ، ولا يصح أن يُعتمد عليه في قرار مصيري في المال أو العمل أو الأسرة أو الصحة. فالأولى بمن رأى هذا المنام أن يدعو الله بالخير، وأن يحسن الظن به سبحانه، وأن يأخذ بالأسباب بتوكل. فعلم الغيب مما اختص الله به نفسه، وما ذُكر تأمل في رموز، والله أعلم.
