يحلم بعض الناس بأنهم يرمون اللحم، فيلقونه في سلة أو في الطريق أو في الخارج، وقد يكون ذلك لسبب ظاهر كفساده أو لغير سبب. وهذا المشهد قد يترك في النفس شيئًا من الحيرة أو الأسف، لأن اللحم في الوعي العام نعمة تُحفظ. ومن اللازم أن نذكر أن التفسير رمزي احتمالي لا يُحمل على الظاهر، فالرمي في المنام ليس إسرافًا حقيقيًّا ولا خبرًا بخسارة. وهو صورة قد تصدر عن النفس، ولها قراءات يجتهد فيها أهل التعبير بحذر.
والرمي في عالم الرموز يرتبط عند كثيرين بالتخلص والإبعاد والترك، وقد يحمل معنى الراحة من عبء أو التفريط في شيء. واللحم في المعتاد رمز للرزق والمال الذي يأتي بجهد، وللعافية. فإذا اجتمعا فقد يُقرأ الأمر على أنه تخلص من أمر ثقيل كان الإنسان يحمله، أو على أنه تفريط في فرصة أو نعمة. والتمييز بين هذين المعنيين يرجع إلى حال اللحم المرمي، وإلى ما يشعر به الرائي أثناء الحلم وبعده.
ونُسب إلى ابن سيرين فيما يُروى عنه أن إلقاء الشيء الرديء في المنام قد يدل على التخلص من مضرة، وذهب بعض المفسرين إلى أن إلقاء الشيء النافع قد يدل على تفريط أو إضاعة. واختلف أهل التعبير في تفاصيل ذلك بحسب حال المرمي ومكان الرمي، ولم يضعوا له قاعدة قاطعة. ولذلك فهذه الأقوال تُذكر على سبيل الاستئناس، ويبقى تأمل حال الرائي أنفع من التعلق بنقل بعينه.
ويتغير المعنى بحسب السياق. فإذا كان اللحم فاسدًا أو متغير الرائحة وقد رماه الرائي فذلك أقرب إلى التخلص من أمر غير نافع وإلى الراحة منه، وإذا كان اللحم طيبًا طازجًا ورماه بلا سبب فقد يُقرأ على أنه إهمال لنعمة أو تسرع في قرار. وإذا رماه بهدوء فقد يدل على قرار هادئ، وإذا رماه بغضب فقد يعبّر عن انفعال داخلي. وللمكان أثر، فالإلقاء في سلة النفايات غير الإلقاء في الطريق.
وللفتاة غير المتزوجة قد يُقرأ الحلم على أنه رغبة في ترك أمر يضايقها أو تردد في فرصة معروضة، وللمرأة المتزوجة قد يُقرأ على أنه رغبة في تخفيف أعباء بيتها أو حرص على عدم التبذير. وللرجل قد يرتبط بقرار في عمله أو مال، وللتاجر قد يوحي بمراجعة بضاعة أو صفقة. وكلها قراءات ظنية لا تعدو أن تكون احتمالات، وليست حكمًا على ما سيقع.
ومن التفاصيل التي تُلحظ كمية اللحم المرمي، ومن شاهد الرائي وهو يرميه، وهل ندم بعد ذلك. فالندم قد يعبّر عن حرص على النعمة وحياء من التفريط، وعدم الندم قد يعبّر عن ارتياح لتخلص. وقد يُلتفت كذلك إلى ما إذا كان الرائي يرمي اللحم ليطعم به حيوانًا أو لينتفع به غيره، فهذا قد يُقرأ على أنه عطاء لا إلقاء، ويختلف أثره عن الإلقاء المحض في معناه النفسي.
ومن الوجهة النفسية، قد يظهر هذا الحلم عند من يمر بمرحلة تنظيف حياته من التزامات أو علاقات أو أفكار أرهقته. وقد يعبّر عن رغبة في التجديد وبداية صفحة أخرى. وهذا من الأمور الطبيعية التي يمر بها الإنسان بين حين وآخر، وفيها فرصة لمراجعة ما يستحق الاحتفاظ به وما ينبغي تركه، بهدوء ودون تسرع.
ومن الناحية العملية والأخلاقية، يمكن أن يذكّر الحلم بقيمة حفظ النعمة وعدم الإسراف في الطعام، وبأن ما يفيض عن الحاجة يمكن أن يُقدَّم لمن يحتاجه بدل أن يُهدر. وهذه رسالة نافعة في ذاتها لا تحتاج إلى حلم، ولكن الحلم قد يكون مناسبة لتذكرها. فليراجع الإنسان عاداته في الشراء والطهي والتخزين، وليسع إلى الاعتدال.
ولا ينبغي أن يتحول الحلم إلى شعور بالذنب أو بالقلق على الرزق، فليس فيه ما يدل على ضيق أو سعة. وإنما هو صورة تعين على التأمل في علاقتنا بما بين أيدينا، فلنأخذ منها ما ينفع ونترك ما سوى ذلك.
ويرى بعض المهتمين بالأحلام أن لشعور الرائي عند الرمي دلالة أبلغ من الفعل نفسه، فمن رمى اللحم وهو مرتاح قد يكون في داخله ميل إلى التخفف مما أثقله، ومن رماه وهو متأسف قد يكون في داخله خوف من أن يفرط في أمر ثمين. وهذا التمييز النفسي يعين على فهم ما يدور في النفس أكثر مما تعين الرموز. فإذا استيقظ الإنسان مرتاحًا فلا حاجة إلى الانشغال بالحلم، وإذا استيقظ متضايقًا فليحاول أن يسمي ما يضايقه في يقظته وأن يحدد خطوة صغيرة لعلاجه.
وقد يمر الإنسان بأيام يكثر فيها الرمي والتنظيف في بيته، فيدخل ذلك في أحلامه دون أي دلالة. وكذلك من كان ينظف ثلاجته أو يتخلص من طعام زاد عن حاجته قد تظهر له هذه المشاهد في نومه، وهذا من أحاديث النفس المعروفة التي لا تحتاج إلى تأويل رمزي معقد. فالتفريق بين ما هو انعكاس مباشر لأحداث اليوم وما هو رمز عميق من أهم ما ينبغي أن يتنبه إليه من يتأمل أحلامه، وغالب الأحلام من الصنف الأول.
وفي الختام فإن ما ورد في هذا المقال اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصلح أن يكون أساسًا لقرار حقيقي. والأجدر بمن رأى رؤيا أن يدعو الله بالخير ويحسن الظن به، فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده، ولا يطلع عليه أحد من خلقه.
