قد يرى الإنسان في منامه أنه واقف أمام إناءين أو أكثر، أحدهما فيه لبن والآخر فيه شراب مختلف كعصير أو ماء أو شاي، وعليه أن يختار بينهما. وهذه صورة تتكرر في الأحلام لأن الاختيار من أبرز ما يشغل الإنسان في حياته. وينبغي أن تُقرأ قراءة رمزية هادئة لا حرفية، فهي لا تعني أن قراراً بعينه ينتظرك. وكل ما سيأتي تأمل واحتمال، والعلم بالغيب عند الله وحده، وهو الهادي إلى الخير.
واللبن في الرموز العامة يدل على الرزق الحلال الصافي والفطرة السليمة والغذاء النافع والحنان والبركة. وهو من أحب الأشربة إلى النفوس وأقربها إلى الأصل الأول، ولذلك فإن اختياره في المنام قد يُفهم على أنه ميل إلى الأصيل الصافي النافع. وأما الشراب الآخر فيحمل دلالة تتوقف على نوعه، فقد يدل على التسلية أو اللذة العارضة أو الحياة العامة، وليس مذموماً بحد ذاته.
وقد تحدث بعض المفسرين عن علاقة اللبن بالفطرة والهداية على وجه العموم، فذهبوا إلى أن اختياره في المنام قد يوحي عندهم باستقامة وميل إلى الصلاح، من غير أن نزيد على ذلك أو نصف حادثة بعينها. وهذا الربط العام بين اللبن والفطرة ورد في كلامهم باجتهاد، ويبقى مجرد قراءة رمزية، وليس حكماً على حال الرائي ولا ميزاناً لدينه، فالله أعلم بالسرائر وأقدر على الهداية.
ونُسب إلى ابن سيرين فيما يُروى عنه أن اللبن يدل على المال الحلال والفطرة، وأن لحال الشراب المختار أثراً في التأويل. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن صفاء ما يشربه الإنسان في المنام علامة خير. ومع ذلك فقد اختلف المفسرون في تفاصيل الاختيار بين الأشربة، ولم يتفقوا على قول واحد، فتُؤخذ هذه الأقوال على أنها اجتهادات يُستأنس بها فقط.
ويتغير التأويل بحسب التفاصيل: فإن اختار اللبن بسهولة ورضا فذلك أقرب إلى وضوح الرؤية وبساطة الاختيار، وإن تردد طويلاً فقد يعكس حيرة حقيقية في أمر ما. وإن كان الشراب الآخر ماء فالأمر مفاضلة بين نعمتين، وإن كان حلواً مغرياً فقد تكون المفاضلة بين النافع والمُلهي. ومن عرض عليه الخيارين وماذا قال له تفيد أيضاً في فهم المشهد.
وللفتاة غير المتزوجة قد يعبّر المنام عن تفكير في اختيار بين طريقين في دراسة أو عمل أو علاقة، وعن ميل إلى الأصيل المطمئن. وللمرأة المتزوجة قد يدل على موازنة بين أمور في البيت أو الأسرة تحتاج إلى حكمة. وللحامل قد يرتبط بالاختيارات الغذائية والصحية التي تهتم بها، وللمرضع بتنظيم غذائها، وهي أمور واقعية قريبة منها، ولا يُحمل ذلك على أكثر من هذا.
وللرجل قد يدل على مفاضلة بين فرصتين أو عملين أو طريقين، وعلى حاجة إلى النظر في الأنفع والأبقى. وقد يوحي بدعوة إلى تفضيل الأصيل الطيب على البراق المؤقت، وهو معنى حكمي جميل. ومع ذلك فليس في المنام ما يغني عن الاستخارة والاستشارة والنظر في الواقع، فالقرارات الحقيقية تُبنى على العلم والدراسة والدعاء، لا على المنامات.
ومن دقائق التأويل أن ينظر الرائي إلى شعوره بعد الاختيار: فإن كان مرتاحاً فذلك أدعى إلى الطمأنينة، وإن كان نادماً فقد يكون ما زال متردداً في أمر ما في الواقع. وكذلك يتأمل هل جمع بين الشرابين في النهاية، فذلك قد يدل على رغبة في الجمع بين أمرين، أو هل أخذهما معاً بتوازن واعتدال. وهذه لمحات تفيد في التأمل النفسي لا في الجزم.
ومن اللطائف أن الاختيار في المنام قد يكون مجرد ذوق شخصي، فمن يحب اللبن يختاره ومن يحب الشاي يختاره، وليس في ذلك أي دلالة عظيمة. ولهذا ينبغي ألا نحمّل الحلم أكثر مما يحتمل، ولا نجعل منه مقياساً لحسن اختياراتنا. فالأفضل أن نوازن بين الرمز البسيط والواقع، وأن نعرف أن للأحلام جانباً شخصياً بحتاً لا يعمّم على غيرنا.
ومن الناحية العملية قد يكون الحلم دعوة إلى ترتيب أولوياتك وتفضيل ما ينفعك على ما يُلهيك، مع الاعتدال وعدم التشدد. فاستخر الله في أمورك، وشاور أهل الرأي، وانظر في عواقب اختياراتك. وتذكّر أن من استخار لم يخب ومن استشار لم يندم، وأن الله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ويوفق عباده للصواب.
وفي الختام، فإن هذا التفسير كله اجتهاد بشري ظني قابل للخطأ، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار حقيقي في المال أو العمل أو الارتباط. والأولى أن يقابل المسلم ما يراه بالدعاء والاستخارة وحسن الظن بالله. والغيب لا يعلمه إلا الله، وهو أعلم بما يصلح عباده.
