قد يرى الإنسان في منامه لبناً قليلاً، مثل رشفة في قاع كوب أو بضع قطرات في إناء صغير، فيتأمله وربما يتساءل عن معناه. وهذه الصورة تتكرر في الأحلام لما فيها من بساطة، ولا ينبغي أن تُحمل على الانزعاج. والتفسير هنا رمزي لا حرفي، فلا تدل القلة في المنام بالضرورة على قلة في الواقع. وكل ما سيأتي من أقوال تأمل واحتمال، والعلم بالغيب عند الله وحده.
واللبن في الرموز العامة يدل على الرزق الحلال الصافي والفطرة السليمة والغذاء النافع والحنان والبركة. وقلّته في المنام قد تُفهم على أنها رزق يسير أو خير محدود في الظاهر، لكن اللبن من الأشياء التي يكفي قليلها لينفع، وفيها معنى البركة في القليل. ولهذا ينظر المفسرون إلى القلة بحسب سياقها، فقد تكون دعوة إلى القناعة، وقد تكون إشارة إلى بدء خير صغير ينمو.
ومن المعاني المحتملة أن الرائي يمر بمرحلة يقل فيها ما بين يديه من وقت أو مال أو جهد، فيعكس المنام ذلك في صورة قطرات قليلة. وقد يكون دعوة إلى الصبر والقناعة وحسن استثمار ما هو متاح. وقد يوحي كذلك ببداية صغيرة لأمر طيب ستزيد بركته مع الأيام، كحبة ينتظر منها الزرع. وهذا من تفاؤل المؤمن الذي لا يحتقر القليل في سبيل الخير.
ونُسب إلى ابن سيرين فيما يُروى عنه أن اللبن يدل على المال الحلال والفطرة، وأن مقداره يُنظر فيه بحسب المقدار الذي يدل عليه من الخير. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن صفاء اللبن علامة خير وإن قل. لكن المفسرين اختلفوا في أحكام المقادير، ولم يتفقوا على قول واحد، فتُؤخذ هذه النقول على أنها اجتهادات لا قطعيات، وأمر الأرزاق بيد الله.
ويتغير التأويل بحسب التفاصيل: فإن كان القليل صافياً لذيذاً فهو أقرب إلى معنى البركة في القليل، وإن كان القليل متعكراً فقد يشير إلى حاجة إلى تحرٍّ وعناية. وإن شعر الرائي بالشبع من هذا القليل فذلك أدعى إلى معنى القناعة والرضا، وإن شعر بالحاجة فقد يعكس تطلعاً إلى المزيد. ومن قدّم القليل ومن شاركه فيه كلها قرائن تفيد في الفهم.
وللفتاة غير المتزوجة قد يعبّر المنام عن بدايات صغيرة في دراسة أو عمل أو علاقة، وعن حاجة إلى الصبر والتدرج. وللمرأة المتزوجة قد يدل على أهمية التدبير والقناعة في شؤون البيت، وعلى بركة قد تكون في القليل. وللحامل قد يرتبط بحاجتها إلى مزيد من التغذية والراحة، وللمرضع قد يعكس انشغالها بكفاية الغذاء، وهي معانٍ نفسية قريبة من حالها.
وللرجل قد يدل على بدايات متواضعة في عمل أو كسب، وعلى ضرورة الصبر والمثابرة والتدرج في الطلب. وقد يوحي بأن الرزق قد يأتي في صورة قليلة متكررة تُجمع مع الأيام فتصير كثيرة. فليأخذ بأسباب الكسب الحلال ولا يستقل ما يتيسر له، فإن الله يبارك في القليل الطيب ما لا يبارك في الكثير الخبيث، وهي سنة معروفة.
ومن دقائق التأويل أن يتأمل الرائي ما إذا كان هذا القليل هو آخر ما تبقى أم أول ما بدأ، فالأول قد يدل على الحاجة إلى حفظ النعمة والاقتصاد فيها، والثاني على بشرى بزيادة قادمة. وكذلك يتأمل إن كان في الحلم من يشاركه، فالمشاركة في القليل علامة كرم وإيثار. وهذه الفروق دقيقة تخفف عن النفس القلق من القلة.
ومن اللطائف أن في الأمثال الشعبية والحكمة ما يشير إلى أن القليل الدائم خير من الكثير المنقطع، وأن البركة قد تحل في اليسير فتجعله كافياً. ولعل الحلم يذكّر بهذه الحكمة، فيهوّن على الرائي ما يظنه نقصاً. فما أكثر من أُوتي القليل وبارك الله له فيه فكفاه وزاد، وما أقل من كثر ماله وفقد القناعة وسكينة القلب.
ومن الناحية النفسية والعملية قد يكون الحلم دعوة إلى القناعة وحسن التدبير، والامتنان لما هو متاح. فاكتب أولوياتك ووازن بين دخلك ونفقتك، وابحث عن مصادر مشروعة تزيد رزقك، وتصدق ولو بالقليل، وأكثر من الاستغفار والدعاء. وتذكّر أن الله يقول للشيء كن فيكون، وأن فضله لا يُحد ولا يُحصى.
وليس من المستبعد أن يكون هذا الحلم ناتجاً عن اهتمام الرائي بأمر الرزق والنفقات في يقظته، فتتحول همومه اليومية إلى صورة بسيطة في المنام. وإدراك هذا الاحتمال يخفف عن النفس كثيراً، فهي لا تحتاج إلى أن تفسر كل صورة بما يخيفها. ويكفي أن يأخذ الإنسان منه عبرة في الاقتصاد والتخطيط والشكر، ويكمل يومه بسكينة وثقة بأن الله لا يضيّع من أحسن العمل وتوكل عليه.
وفي الختام، فإن هذا التفسير كله اجتهاد بشري ظني قابل للخطأ، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار حقيقي في المال أو العمل أو الارتباط. والأولى أن يقابل المسلم ما يراه بالدعاء وحسن الظن بالله والتوكل عليه. والغيب لا يعلمه إلا الله، وهو الغني الكريم يرزق من يشاء.
