قد يرى النائم أمامه مائدة عليها كوب من اللبن إلى جانب قطع من الجبن البيضاء أو الصفراء، فيأكل من هذا ويشرب من ذاك، أو يقدمهما لضيوفه أو يجدهما في سفرة نزهة أو في مطبخ بيته. وهذا الاجتماع بين الأصل ومنتجه مألوف في موائد كثيرة، ويتكرر في الأحلام عند من يميلون إلى الأطعمة البسيطة أو من يستعدون لضيافة. ومن الواجب أن يُعلم أن الحلم رمز نفسي لا يُقرأ بظاهره ولا يخبر بحدث معين، وتفسيره اجتهاد ظني يُقدم بحذر وتواضع، ولا يُبنى عليه قرار.
اجتماع اللبن والجبن في صورة واحدة له معنى خاص، فاللبن هو الأصل السائل الأول، والجبن هو ما تحول إليه بعد تخثر وتصفية وصبر، فهو أكثر تماسكاً وبقاءً. فقد يُقرأ المشهد على أنه رزق في صورتين، حاضر سائل يُنتفع به الآن ومتماسك يبقى ويدوم، أو على أصل طيب وثمرة ناضجة تقوم عليه، أو على مائدة عامرة تجمع الخفيف والمتين من الخير. وهذا من باب الرجاء والتأمل وحسن الظن بالله، ولا يُجزم به ولا يُعد وعداً بأمر محدد.
ونُسب إلى ابن سيرين أن اللبن يدل على الفطرة والرزق الطيب، وأن الجبن قد يدل على مال يُجمع من حلال بجهد وصبر، وربما فسره بعضهم بما يدل على كسب قليل التعب في بعض السياقات. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن ما يخرج من اللبن من أطعمة يدل على فائدة متولدة من أصل طيب. غير أن المفسرين اختلفوا في الجبن بالذات، فبعضهم حمله على مال وبعضهم على قوة وبعضهم على نفع محدود، فلا يوجد قول جامع، والأولى أن يُفهم المشهد في سياقه العام.
ويتغير المعنى بتغير الحال والتفاصيل، فإن كان اللبن طازجاً والجبن نظيفاً طيب الرائحة والرائي يتناولهما بسرور فذلك أدعى للتفاؤل. وإن كان الجبن متعفناً أو شديد الملوحة أو كان اللبن حامضاً فقد تعبر الصورة عن تعب في الحصول على النفع أو عن شبهة في مكسب أو عن أمر يحتاج إلى مراجعة. وإن كان الجبن قطعة قليلة بجانب كوب كبير فقد يدل على أن الخير حاضر وفي المتماسك منه قلة، وإن كان العكس فقد يدل على كثرة المدخر. وللإناء وكيفية التقديم أثر.
وللفتاة غير المتزوجة قد تتصل الرؤيا بتفكيرها في استعدادها لحياة أسرية أو بتعلمها تدبير المائدة وإكرام الضيوف. وللمرأة المتزوجة قد تعبر عن مائدة بيتها وكرمها وحرصها على أن يجد أهلها ما يكفيهم من الطيب، وعن الجهد الذي تبذله في إعداد الطعام. وللحامل قد ترتبط بالاشتهاء والحاجة إلى الغذاء المتنوع، وللمرضع بحاجتها إلى التغذية. وهذه قراءات عامة قريبة من حياتها اليومية، لا تعد نبوءات، والأولى أن تُحمل على المعنى الطيب.
وللرجل قد يدل الحلم على رزق يجمع بين حاضر ومدخر، وعلى حسن إدارة مائدته وأعماله، وعلى اهتمامه بضيافة أصدقائه وأهله. وقد يعبر عن مرحلة انتقال من عمل يومي بسيط إلى استقرار أكثر، كما يتحول اللبن إلى جبن. وإن كان تاجراً فقد يتصل الأمر ببضاعة متنوعة، وإن كان موظفاً فبراتب وعلاوة. ولا يصح أن يتخذ من ذلك أساساً لشراء أو توسع أو التزام مالي، فهذه قرارات تُبنى على الحسابات الدقيقة والمشورة.
ومن الدقائق أن ننظر إلى نوع الجبن، فالأبيض الطري قد يعبر عن خير لين قريب، والمعتّق الصلب قد يعبر عن خير يحتاج إلى زمن وصبر، والمطبوخ أو المحمر قد يعبر عن جهد في تحويل النعمة. وكذلك ما يرافقهما من خبز أو زيتون أو عسل أو بقول، فكل ما أُضيف على المائدة يضيف معنى الكفاية أو التنوع. وإن رأى الرائي أن الضيوف يأكلون معه فقد يدل على كرم وصلة، وإن كان وحده فقد يدل على قناعة. وهذه تفاصيل تأملية لا تُعد قواعد قطعية.
وفي الجانب النفسي، يعبر هذا الحلم عن شعور بالاكتفاء والاستقرار والنظام في تدبير الشؤون، فالمائدة التي تجمع أنواعاً من الطيبات توحي بأن في الحياة تنوعاً وكفاية. وقد يظهر عند من مرّ بعد فترة قلق أو تقشف فيشعر بالرضا. وهو يذكّر بأن الأشياء الطيبة تتكامل، فالسائل مع الصلب، والبسيط مع المتقن، والحاضر مع المدخر، وكذلك ينبغي أن تتكامل في حياة الإنسان أمور الدين والدنيا والعمل والأسرة دون إفراط في جانب على حساب آخر.
وعملياً فإن في هذا الحلم دعوة لطيفة إلى إكرام الضيف وحسن الضيافة، فمائدة اللبن والجبن مائدة بسيطة كريمة تصلح لكل ضيف. وفي إطعام الطعام خير كثير يعرفه الناس بالتجربة، فهو يؤلف القلوب ويقوي الروابط ويجلب الدعاء الصادق. فمن أراد أن تتحقق له بركة هذا المشهد فليجعل لبيته مائدة مفتوحة لمن حوله بقدر طاقته، وليكن كريماً دون إسراف، وليستحضر أن أعظم الضيافة بشاشة الوجه وصدق الاستقبال.
وفي الختام نقول إن ما ذكرناه اجتهاد بشري ظني لا يقطع بالغيب، ولا يصلح أساساً لقرار في المال أو التجارة أو الغذاء أو الصحة. فمن رأى ما يسره فليحمد الله ويحسن به الظن، ومن رأى ما يقلقه فليستعذ بالله ويدعُه بالبركة والتيسير ولا يستسلم للوساوس، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وهو الكريم الوهاب الذي يجود على من يشاء بفضله.
